
هل طرح اسم الاستاذ فاروق الشرع لمرحلة الانتقالية في سورية: بين التصور النظري واستحالة التطبيق
مع بدايات الأزمة السورية عام 2011، دخلت الدولة السورية واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ تأسيسها الحديث، حيث لم يعد السؤال يدور فقط حول الاحتجاجات واتساعها، بل حول طبيعة النظام نفسه، وحدود قدرته على الاستمرار، وإمكانية إنتاج انتقال سياسي من داخله دون انهيار كامل لمؤسسات الدولة.
في تلك اللحظة الحساسة، برزت في الأوساط السياسية والدبلوماسية، كما في مراكز الدراسات الغربية والإقليمية، تصورات متعددة لما يمكن تسميته بـ"الحلول الانتقالية الداخلية"، وهي حلول لا تقوم على إسقاط الدولة أو تفكيك بنيتها، بل على إعادة ترتيب السلطة داخل النظام نفسه، بما يسمح بالحفاظ على المؤسسات مع تقديم رأس سياسي جديد قادر على امتصاص الصدمة وفتح باب التسوية.
ضمن هذا السياق، ظهر اسم فاروق الشرع بوصفه أحد الأسماء التي طُرحت—نظريًا—كخيار محتمل لمرحلة انتقالية. ولم يكن هذا الطرح نابعًا من فراغ، بل استند إلى جملة من الاعتبارات البنيوية والسياسية؛ فالشرع ينتمي إلى الجيل البعثي التقليدي، ويحمل تاريخًا طويلًا في مؤسسات الدولة، وشغل موقع نائب رئيس الجمهورية، كما أنه لم يكن محسوبًا على الحلقة الأمنية الصلبة التي أدارت المواجهة اليومية خلال الأزمة. هذه الخصائص جعلت منه، في بعض القراءات، شخصية يمكن أن تُقدَّم باعتبارها "خيارًا توافقيًا" يحفظ استمرارية الدولة دون صدام مباشر مع بنية النظام.
لكن هذا التصور لا يمكن فهمه إلا عبر مستويين مختلفين من التحليل:
أولًا:
التصورات الدولية المبكرة للأزمة
في المرحلة الأولى من الأحداث، لم تكن الأولوية الدولية—وخاصة لدى بعض القوى الكبرى مثل روسيا—تقوم على إسقاط النظام السوري بقدر ما كانت تتركز حول منع انهيار الدولة السورية نفسها. كانت المخاوف الكبرى تدور حول نموذج الفوضى الشاملة، وتكرار سيناريوهات الانهيار التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.
لهذا، ظهرت مقاربات تدعو إلى إصلاح سياسي تدريجي، أو إلى إعادة التوازن داخل النظام، دون المساس الفوري بالبنية العليا للسلطة. وكانت الفكرة الأساسية تقوم على تعديل شكل الحكم لا نسف الدولة، وعلى إنتاج صيغة انتقالية ناعمة تُبقي المؤسسات قائمة وتمنع الفراغ.
في هذا المناخ، برزت أسماء عدة من داخل النظام يمكن—نظريًا—أن تلعب دورًا انتقاليًا، وكان فاروق الشرع أحد أبرز هذه الأسماء.
ثانيًا:
التسريبات والتحليلات غير الرسمية
غير أن معظم ما قيل حول هذا السيناريو لم يستند إلى وثائق رسمية معلنة، ولا إلى تصريحات موثقة من موسكو أو من مراكز القرار الدولية، بل جاء في إطار تسريبات دبلوماسوية، أو تقديرات صادرة عن مراكز أبحاث، أو قراءات لاحقة حاولت تفسير ديناميات المرحلة الأولى من الأزمة.
بمعنى آخر، نحن هنا أمام "هندسة سيناريوهات" أكثر مما نحن أمام خطة تنفيذية حقيقية. فالفارق كبير بين ما يُتداول في الغرف التحليلية وما يُتخذ فعليًا في غرف القرار.
ومع تطور الأحداث خلال عامي 2011 و2012، بدأت بنية النظام السوري تُظهر درجة عالية من التماسك حول مركز القرار السياسي والأمني، بالتزامن مع تصاعد المواجهة المسلحة وتدويل الأزمة. هذا التماسك أغلق تدريجيًا الباب أمام احتمالات الانتقال الداخلي الهادئ، وأضعف فرص أي تسوية تقوم على إعادة توزيع السلطة من داخل النظام دون تغيير جذري في موازين القوة.
وهكذا، تراجع سيناريو "فاروق الشرع" وغيره من السيناريوهات المشابهة، لصالح مسار أكثر حدة وصدامًا، أصبحت فيه المعادلات الأمنية والعسكرية هي الحاكمة، لا الترتيبات السياسية الناعمة.
الخلاصة
من منظور تحليل السياسات، يمكن القول إن الحديث عن دور محتمل لفاروق الشرع في إدارة مرحلة انتقالية كان جزءًا من التصورات النظرية التي تُطرح عادة في بدايات الأزمات الكبرى، حين تكون جميع الاحتمالات مفتوحة. لكنه لم يتحول إلى مشروع سياسي موثق، ولا إلى قرار دولي واضح المعالم.
أما القول بوجود تصور روسي حاسم لتكليف الشرع بمرحلة انتقالية تنهي دور بشار الأسد، فهو يبقى ضمن دائرة الفرضيات غير المثبتة، لا الحقائق المؤكدة.
فالواقع الذي تشكل لاحقًا أثبت أن الأزمة السورية لم تتجه نحو إعادة تشكيل السلطة من الداخل عبر تسوية ناعمة، بل نحو تعزيز مركزية السلطة القائمة، وتراجع فرص التغيير الداخلي لصالح معادلات القوة الصلبة التي حكمت المشهد لسنوات طويلة.