
هل يخيفنا الفراغ أكثر مما يخيفنا المعنى؟
في بعض المساجد، يتحول الوقوف في الصلاة إلى مسألة دقيقة جدًا: تقارب بين الأكتاف، سدّ كل فراغ، والانتباه لأي مسافة صغيرة قد تظهر بين المصلّين. الفكرة المتداولة واضحة: لا تترك فراغًا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه ببساطة: لماذا كل هذا القلق من مسافة صغيرة، بينما تُتلى آيات القرآن في نفس المكان؟
يُقال إن القرآن يطرد الشر ويمنح الطمأنينة، وهذا جزء أساسي من الإيمان عند كثيرين. لكن في الواقع، نرى سلوكًا يوحي بأن الخطر ما زال حاضرًا، وكأنه قد يتسلل من فجوة بسيطة بين شخصين. هنا تظهر المفارقة: كيف نجمع بين الثقة بقوة النص، والخوف من سنتيمترات؟
المشكلة ليست في تنظيم الصفوف، فهذا أمر مفهوم وله بعده الجماعي والانضباطي. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الأمر إلى خوف مبالغ فيه، وكأن المسافة بحد ذاتها خطر. في هذه الحالة، لا يعود التركيز على معنى الصلاة، بل على شكلها الخارجي فقط.
ربما ما يحدث ليس خوفًا من شيء خارجي بقدر ما هو قلق داخلي نُسقطه على هذه التفاصيل. حين لا نشعر بالطمأنينة الكافية، نبحث عن قواعد دقيقة نتمسك بها، حتى لو كانت على حساب الفكرة الأساسية.
بكلام مباشر: الفراغ الحقيقي ليس بين المصلّين، بل في فهمنا لما نفعل. إذا كانت الصلاة تهدف إلى السكينة، فلا ينبغي أن تتحول إلى مصدر توتر. وإذا كان القرآن يُقرأ في المكان، فمن الطبيعي أن يكون الإحساس بالأمان أقوى من أي خوف من مسافة صغيرة.
المطلوب ليس إلغاء النظام، بل إعادة التوازن: أن نفهم لماذا نفعل ما نفعل، وأن لا نُضخم التفاصيل على حساب الجوهر. لأن الدين، في النهاية، ليس مجموعة تعليمات هندسية… بل تجربة إنسانية تبحث عن معنى وراحة داخلية.