--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حماة 1964: بين رواية “المجزرة” وحقيقة التمرد المسلح

Salah Kirata • ٢‏/٥‏/٢٠٢٦

22593.png

حماة 1964: بين رواية “المجزرة” وحقيقة التمرد المسلح.

ليست كل الأحداث الدموية في التاريخ قابلة للتبسيط أو الاختزال في توصيفات جاهزة. ومن أكثر المحطات التي تعرضت للتبسيط والتسييس في التاريخ السوري الحديث، أحداث مدينة حماة عام 1964، التي جرى لاحقًا إدراجها، تعسفًا أو عن قصد، ضمن سردية “المجازر الطائفية”، رغم اختلاف سياقها وطبيعتها جذريًا عن أحداث لاحقة، وعلى رأسها ما جرى في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات.

ما حدث في حماة عام 1964 لم يكن مجزرة بالمعنى الدقيق، ولا صراعًا طائفيًا بالمعنى البنيوي، بل كان تمردًا مسلحًا ذا خلفية سياسية واجتماعية معقدة، جاء في سياق صراع عميق داخل الدولة والمجتمع السوريين بعد انقلاب الثامن من آذار 1963، وما تلاه من سياسات راديكالية، أبرزها الإصلاح الزراعي، الذي أصاب بنية القوى التقليدية في الريف والمدينة على حد سواء.

في هذا المناخ، برزت قوى معارضة للسلطة الجديدة، كان في مقدمتها تنظيم الإخوان المسلمين، الذي لم يكن مجرد تيار دعوي، بل امتلك أجنحة تنظيمية ذات طابع شبه عسكري، خاصة في بعض المدن، ومنها حماة. وقد شهدت السنوات التي سبقت 1964 توترات متزايدة، واحتكاكات في الشارع، واستهدافات متبادلة، طالت مؤسسات الدولة ومظاهر الحياة المدنية.

تفجّرت الأحداث من بيئة طلابية، لكنها سرعان ما تحولت إلى مواجهات مفتوحة في الشارع. وتوسعت دائرة العنف لتشمل مهاجمة مقرات حزب البعث، ومحال تجارية، ودور سينما، وأماكن عامة، في تعبير واضح عن رفض نمط اجتماعي وثقافي وسياسي جديد كانت السلطة تسعى لترسيخه. كما حملت بعض هذه الاعتداءات طابعًا إقصائيًا ضد فئات اجتماعية محددة، ما أضفى على المشهد توترًا إضافيًا، دون أن يحوله إلى صراع طائفي شامل.

في المقابل، تعاملت الدولة مع الأحداث بوصفها تمردًا مسلحًا يهدد سلطتها وهيبتها. فجاء التدخل العسكري حاسمًا، بقرار من قيادة سياسية وعسكرية لم تكن محكومة بانتماء طائفي واحد، بل ضمت شخصيات من خلفيات متعددة. وتم اقتحام مواقع المسلحين، ومن بينها جامع السلطان، الذي كان قد استُخدم كمركز تحصين وتخزين سلاح، في سابقة تركت أثرًا رمزيًا عميقًا في الوعي السوري.

انتهت المواجهات خلال فترة قصيرة نسبيًا، بسقوط عشرات القتلى واعتقال المئات. وعلى الرغم من محدودية عدد الضحايا مقارنة بأحداث لاحقة، إلا أن وقع الحدث كان كبيرًا، لأنه كشف عن تصدع مبكر في العلاقة بين السلطة الجديدة وقطاعات من المجتمع، ولأنه أسّس لنمط من الصدام سيتكرر لاحقًا بأشكال أكثر عنفًا.

قراءة هذه الأحداث بمعزل عن سياقها الاجتماعي والسياسي تُفضي إلى استنتاجات مضللة. فهي، في جوهرها، تعبير عن صراع بين مشروعين: مشروع دولة مركزية ذات توجهات اشتراكية قومية، ومشروع تقليدي محافظ، شعر بأن مصالحه ونفوذه مهددان. وقد تداخل في هذا الصراع البعد الطبقي مع البعد الأيديولوجي، واستخدمت فيه أدوات الدين والسياسة معًا.

لكن، وفي الوقت نفسه، لا يمكن تبرئة أي طرف بالكامل. فالعنف، مهما كانت دوافعه، يفتح الباب أمام دورات متلاحقة من الردود القاسية، ويؤسس لشرخ طويل الأمد في المجتمع. كما أن اللجوء إلى الحلول الأمنية والعسكرية، حتى عندما يكون مبررًا من منظور الدولة، يترك آثارًا عميقة في الذاكرة الجماعية، خاصة عندما يمس رموزًا دينية أو مدنية حساسة.

منذ ذلك التاريخ، دخلت سوريا تدريجيًا في مسار تصاعدي من التوتر بين السلطة ومعارضيها، بلغ ذروته في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، حين تحوّل الصدام إلى مواجهة مفتوحة وأكثر دموية وتعقيدًا. ومع مرور الزمن، تراكمت الروايات، وتضاربت السرديات، وأصبح التاريخ نفسه ساحة صراع لا تقل حدة عن الوقائع التي يرويها.

الخاتمة:
إن الإنصاف في قراءة التاريخ السوري يقتضي الخروج من ثنائية التبرير والإدانة المطلقة، والاقتراب من الوقائع بقدر من الشفافية والهدوء. فالدولة أخطأت حين ضيّقت المجال السياسي واعتمدت القوة كخيار غالب، والمعارضة أخطأت حين انزلقت إلى العنف المسلح وخلطت بين الدعوي والسياسي والعسكري.

ما بين 1964 وما تلاها، لم تكن المشكلة في حادثة بعينها، بل في مسار كامل من انعدام الثقة، وتآكل السياسة، وصعود العنف كبديل. وما تعيشه سوريا حتى اليوم، بشكل أو بآخر، هو امتداد لتلك اللحظات التأسيسية التي لم تُحل جذورها.

التاريخ لا يُكتب للاتهام، بل للفهم. وفهم تلك المرحلة، بصدق وموضوعية، هو خطوة ضرورية ليس فقط لإنصاف الماضي، بل لفتح أفق مختلف للمستقبل.