
حرائق القمح في سورية…
حين يشتعل الحقل قبل أن يُحصد وتشتعل معه الأسئلة:
في مشهدٍ يتكرر في غير محافظة سورية، وبأوقاتٍ متقاربة لافتة، اندلعت حرائق في حقول القمح قبل أن تصل سنابلها إلى لحظة الحصاد. مشهدٌ لا يمكن المرور عليه كحادثةٍ عابرة، ولا يمكن اختزاله في “أسباب طبيعية” أو “حوادث عرضية” دون أن يفرض نفسه كسؤالٍ ثقيل على الدولة والمزارعين والرأي العام معاً...
فالقمح في سورية ليس مجرد محصول زراعي، إنه مادة حياة، وركيزة أمن غذائي، وميزان حساس في معادلة الاستقرار الاجتماعي في بلد أنهكته السنوات، وحين يشتعل هذا القمح في الحقول، فإن النار لا تلتهم نباتاً فقط، بل تفتح باباً واسعاً على القلق، وعلى الشك، وعلى البحث عن تفسير لا يبدو أنه حاضر حتى الآن...
السؤال الأول الذي يفرض نفسه بإلحاح:
- هل نحن أمام فعل فردي متكرر؟..
أم أمام حالة أوسع من الاحتجاج الصامت الذي يأخذ شكل “الاحتراق” بدل التصريح؟ البعض يذهب إلى تفسير قاسٍ، مفاده أن مزارعين قد يكونون وجدوا أنفسهم أمام تسعير غير عادل لمحصولهم، فاختاروا منطق “عليّ وعلى أعدائي” في لحظة غضب أو يأس اقتصادي. هذا التفسير، رغم قسوته، يعكس حجم الاحتقان الذي قد ينشأ حين يشعر المنتج أن جهده لا يُكافأ بما يكفي، وأن كلفة الإنتاج أعلى من العائد، فيتحول الحقل من مصدر رزق إلى عبء.
لكن في المقابل، يبرز سؤال أكثر تعقيداً وخطورة:
- هل يمكن أن تكون هناك أطراف أخرى تستفيد، بشكل مباشر أو غير مباشر، من إرباك سوق القمح أو الضغط على الدولة في لحظة اقتصادية حرجة؟ خصوصاً في ظل ما يُقال عن تضرر محاصيل واسعة في مناطق أخرى، ومنها المنطقة الشرقية التي تعرضت لفيضانات نهر الفرات وأتلفت جزءاً من الإنتاج. هذا الواقع، إن صحّ، يضيف طبقة إضافية من التعقيد على المشهد، لكنه لا يسمح بتسرع الاستنتاج ولا يقبل القفز إلى الاتهام دون دليل.
بين هذين الاحتمالين، يقف المواطن السوري أمام مشهد مربك: نار في الحقول، وأسئلة في السياسة، وقلق في الأمن الغذائي..
لكن الأخطر من كل ذلك ليس الحريق نفسه، بل غياب التفسير الرسمي الواضح، أو تأخره، أو عدم قدرته على طمأنة الناس بأن ما يحدث تحت السيطرة والتحقيق، فحين تشتعل الحقول في أكثر من مكان، وفي توقيت متقارب، فإن أول ما يحتاجه المجتمع ليس التكهنات، بل رواية دقيقة، شفافة، ومسؤولة تضع النقاط على الحروف، وتغلق باب الشائعات قبل أن تتحول إلى قناعة عامة...
إن ما يجري اليوم في ملف القمح يتجاوز كونه حادثة زراعية. إنه اختبار مباشر لثقة الناس، ولقدرة الدولة على حماية أمنها الغذائي، ولقدرة المجتمع على قراءة الأحداث بعيداً عن الانفعال أو الاستنتاج السريع...
ربما لا تزال الإجابة النهائية غائبة،وربما تحتاج التحقيقات وقتاً أطول مما يريده الشارع، لكن المؤكد حتى الآن أن حقول القمح التي احترقت لم تترك وراءها رماداً فقط، بل تركت سؤالاً كبيراً مفتوحاً:
من الذي يشعل النار…