
هرمز… رواية القوة حين تبحث عن توقيع الشرعية
في لحظة تبدو للوهلة الأولى قانونية بامتياز، تتحرك الولايات المتحدة ومعها حلفاؤها نحو مجلس الأمن الدولي بمشروع قرار جديد حول مضيق هرمز. نصٌّ مليء بالمفردات المألوفة: إدانة، حرية ملاحة، ممرات إنسانية، وفصل سابع يلوّح بثقله. لكن خلف هذا البناء القانوني المتماسك ظاهرياً، تختبئ قصة أعمق بكثير—قصة قوةٍ اعتادت أن تتحرك خارج القانون، ثم تعود إليه فقط عندما تتعقد الحسابات.
المشروع، كما يتسرّب، يدين إيران على استهداف السفن وعرقلة الملاحة، ويطالبها بالكشف عن الألغام وإزالتها، بل ويضع الأزمة تحت مظلة الفصل السابع، بما يحمله من احتمالات العقوبات أو حتى القوة. لا شيء في هذه البنود يبدو غريباً على أدبيات الأمم المتحدة، لكن الغرابة تكمن في هوية من يرفعها اليوم.
فواشنطن التي تتحدث الآن بلغة القانون، هي نفسها التي تجاوزته حين شاءت. في العراق لم تنتظر تفويضاً، ولم تُقنع العالم بحججها، بل مضت إلى الحرب وفرضت واقعاً جديداً، ثم تركت الفوضى تتكفل بالباقي. لم يكن هناك فصل سابع يمنح الشرعية، بل قرار أحادي يختصر العالم في ميزان القوة. يومها، لم تكن حرية الملاحة ولا الأمن الدولي مبررات كافية لطلب إذن من أحد.
اليوم، تغير المشهد. لم تعد القوة وحدها تكفي. في هرمز، لا تدور المسألة حول سفن تمر أو ألغام تُزرع فقط، بل حول توازنات دقيقة، حيث أي خطأ قد يشعل ما هو أبعد من ممر مائي. هنا، تجد واشنطن نفسها مضطرة للعودة إلى الأمم المتحدة، لا بدافع الإيمان بشرعيتها، بل لأن كلفة تجاوزها أصبحت أعلى من احتمالها.
السردية الأميركية في مشروع القرار تحاول تبسيط المشهد: طرف يهدد الملاحة، وآخر يسعى لحمايتها. لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالنص لا يكتفي بالإدانة، بل يفتح الباب لتدويل الأزمة، ويضع قيوداً على أي طرف قد يدعم إيران، ويؤسس تدريجياً لمسار تصعيدي يبدأ بالعقوبات ولا يُعرف أين ينتهي. إنها ليست فقط محاولة لضبط الممر، بل لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يكشفه هذا التحرك ليس قوة الموقف الأميركي، بل حدود هذه القوة. فلو كانت واشنطن قادرة على فرض إرادتها كما فعلت في مراحل سابقة، لما احتاجت إلى هذا الغطاء الأممي. عودة روسيا والصين إلى تعطيل القرارات، وارتفاع كلفة المواجهة، وتداخل المصالح الدولية في هذا الشريان الحيوي، كلها عوامل جعلت من مجلس الأمن ساحة ضرورة لا خيار.
هنا يتجلى التناقض في أوضح صوره: دولةٌ بنت جزءاً كبيراً من تاريخها الحديث على تجاوز الشرعية الدولية، تعود اليوم لتطلبها، بل لتجعل منها أداة ضغط. وهذا ليس تحولاً أخلاقياً بقدر ما هو اعتراف واقعي بأن العالم لم يعد يُدار بالأسلوب نفسه.
في النهاية، لا يبدو مشروع القرار سوى فصل جديد من رواية قديمة: حين تتعثر القوة، تبحث عن نصٍّ يحميها. لكن النص، مهما كان محكماً، لا يستطيع أن يخفي حقيقة بسيطة—أن الشرعية التي تُستخدم انتقائياً، تفقد قدرتها على الإقناع، حتى وهي تُكتب بلغة القانون.