
حريق أم غريق؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرحه السوري على نفسه قبل أن يوزّع الولاءات ويمنح صكوك البراءة والإدانة.
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية:
لسنوات طويلة، لم يتوقف بعض السوريين عن شتم دولتهم وجيشهم ومؤسساتهم، بينما كانوا يرفعون إلى مرتبة البطولة من لم يقدّم لهم سوى الخراب. كانوا يتحدثون عن الحرية وهم يصفقون لمن أغلق عليهم أبواب الحياة نفسها...
وكون الشيء بالشيء يُذكر:
سأعود مع العلمانيين منكم إلى التاسع والعشرين من أيار عام 2021، حيث تحدث الدكتور بشار الجعفري بوضوح لا يحتمل التأويل، لم يتحدث عن خلاف سياسي عابر، ولا عن مناوشة حدودية، بل عن جريمة تمسّ حق الإنسان الأول في الحياة: الماء.
قال إن تركيا أغلقت المياه عن ملايين السوريين، لم يكن يتحدث عن أرقام على الورق، بل عن حقول عطشى، وأراضٍ متشققة، ومزارعين فقدوا مواسمهم، ومدن كاملة باتت تبحث عن قطرة ماء للشرب وتوليد الكهرباء... تحدث عن الفرات الذي جفّت أجزاء واسعة منه، وعن التزامات واتفاقيات تم الدوس عليها بلا تردد...
لكن المفارقة المؤلمة أن كثيرين ممن كانوا يهاجمون دمشق صباحاً ومساءً لم يجدوا كلمة واحدة يوجهونها إلى من كان يخنق السوريين بالماء وقتها...
وعندما جاءت الفيضانات مؤخراً وتدفقت المياه لتغرق المحاصيل والبيوت والماشية وأرزاق الناس في عدة محافظات سورية، لم يتغير المشهد كثيراً، اقصد أن الذين لم يهتموا بالجوع والعطش، لم يهتموا أيضاً بالغرق والدمار...
و كأن السوري بالنسبة لهم مجرد ورقة ضغط بمعنى :
-إن عطش فليعطش...
- وإن جاع فليجع...
- وإن غرق فليغرق...
المهم أن تبقى الحسابات السياسية قائمة...
من هنا يجب أن يسأل السوري نفسه: - من هو العدو الحقيقي لمياهه وأرضه ورغيفه وكهربائه؟..
- ومن هو الذي دفع الثمن فعلاً؟..
- هل الوطنية أن تصفق لمن يقطع عنك الماء؟..
- هل الكرامة أن تهلل لمن يحتل الأرض ثم يحدثك عن الأخوة؟..
- هل السيادة أن تبرر وجود جيوش أجنبية فوق أرضك لأنها ترفع شعاراً يعجبك؟..
معلوم:
أن الأوطان لا تُقاس بالشعارات، بل بما تفعله عندما يجوع الناس أو يعطشون أو يغرقون...
والحقيقة القاسية أن من يمنع الماء عن شعب كامل يرتكب عدواناً لا يقل خطورة عن القذائف والرصاص. فالرصاصة تقتل فرداً، أما الماء حين يُحجب فإنه يهدد حياة ملايين البشر دفعة واحدة...
لهذا فإن السوري الذي ما زال يبحث عن الحقيقة بعيداً عن الانفعالات والشعارات، عليه أن يعيد حساباته بهدوء. عليه أن ينظر إلى الوقائع لا إلى الهتافات، وإلى النتائج لا إلى الوعود...
فالوطن الذي لا يدافع أبناؤه عن مائه، لن يستطيعوا الدفاع عن أرضه...
والوطن الذي يتحول فيه قطع المياه عن ملايين البشر إلى تفصيل صغير في معركة السياسة، يكون قد اقترب كثيراً من حافة الهاوية...
لكل السوريين اقول:
ليس لكم إلا سورية، أما الذين استخدموا السوريين وقوداً لمعاركهم ومصالحهم، فلن يبكوا على عطش طفل، ولا على غرق قرية، ولا على خراب موسم...
فهم لم يكونوا يوماً جزءاً من الألم السوري، بل جزءاً من أسبابه.