
هتاف “واحد واحد واحد”… حين تتحول الوحدة إلى قناع للنجاة:
حين أسمع الهتاف السوري المتكرر:
“واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد”،
لا أستقبله بوصفه إعلانًا بسيطًا عن وحدة وطنية بقدر ما أراه مشهدًا مركّبًا، تختلط فيه الرغبة الصادقة في السلام مع هاجس النجاة الفردية في زمن الخوف.
لا يمكن إنكار أن هذا الهتاف وُلد في لحظات كان فيها السوريون تحت ضغط هائل، تتنازعهم فيها مخاوف متقابلة، ويتقدم فيها “الأمان الشخصي” على أي مشروع سياسي أو مطلب اجتماعي. لذلك، بدا الشعار في ظاهره جامعًا، لكنه في عمقه كان أحيانًا صيغة دفاعية أكثر منه رؤية وطنية مكتملة.
حين يرفع الناس هذا الهتاف، فإن كثيرين منهم لا يعلنون فقط عن إيمانهم بوحدة المجتمع، بل يطلبون أيضًا حماية رمزية: أن يكونوا خارج الاستهداف، خارج التصنيف، خارج منطق “العدو الداخلي” الذي حكم المشهد السوري في مراحل متعددة. كأن الشعار يتحول، دون وعي كامل أحيانًا، إلى وثيقة طمأنة متبادلة بين الخائفين، لا إلى عقد اجتماعي بين المواطنين.
في هذا السياق، يصبح الهتاف أقرب إلى محاولة لخفض حرارة الواقع منه إلى صياغة مشروع وطني. فهو لا يتأسس على نقاش حول العدالة أو الحقوق أو شكل الدولة، بل على رغبة ضمنية في إلغاء التهديد أولًا، ثم التفكير لاحقًا. وهذا بالضبط ما يجعله يبدو، في لحظات كثيرة، كأنه يتجاوز السياسة نحو الغريزة: غريزة البقاء.
لكن الإشكال الحقيقي ليس في الهتاف ذاته، بل في ما يخفيه. حين تُختزل “وحدة الشعب” إلى شعار يُطلق في الشارع أو على المنصات، دون أن يُترجم إلى اعتراف متبادل بالحقوق، ودون أن يترافق مع مساءلة تاريخ العنف السياسي والاجتماعي، فإنه يتحول إلى طبقة لغوية تغطي التشققات بدل أن تعالجها.
الوحدة هنا لا تُعرّف كحل سياسي، بل كستار لغوي فوق واقع متنازع عليه. ولذلك يمكن أن يبدو الهتاف، paradoxically، علامة على تراجع المطالب الكبرى: العدالة، المحاسبة، الحرية، أو حتى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. فبدل أن تُطرح هذه الأسئلة في قلب النقاش العام، يتم استبدالها بشعار يُفترض أنه “ينهي النقاش” لا يفتحه.
ومع ذلك، من غير الدقيق اختزال رافعي هذا الهتاف في الخوف فقط. فداخل هذا الشعار أيضًا يوجد شيء حقيقي: إدراك عميق، ولو غير منظم، بأن الانقسام السوري وصل إلى مستويات جعلت مجرد إعلان “نحن واحد” فعل مقاومة ضد التفكك. لكنه يبقى إدراكًا ناقصًا ما لم يُدعَّم بمشروع يعالج أسباب الانقسام، لا أعراضه.
المعضلة إذن ليست في أن السوريين يهتفون للوحدة، بل في أن الوحدة نفسها لم تعد نتيجة عقد سياسي واجتماعي واضح، بل أصبحت أحيانًا أمنية معلّقة في الهواء. وبين الأمنية والمشروع فرق كبير: الأولى تُقال، والثاني يُبنى.
لهذا يبدو الهتاف، في بعض لحظاته، كأنه محاولة لتجاوز الخوف بالكلمات، لا لتجاوزه بالفعل. وكأن الناس يقولون: “دعونا نتفق أننا واحد” قبل أن نتفق على معنى هذا “الواحد”، وعلى شروطه، وحدوده، وحقوق أفراده، وكيفية حمايته من التحول إلى أداة جديدة للإقصاء.
في النهاية، ليست المشكلة أن السوريين يبحثون عن وحدة. المشكلة أن الطريق إلى هذه الوحدة ما يزال غير مرسوم، وأن الشعار وحده، مهما بدا جميلاً ومطمئنًا، لا يستطيع أن يحل محل السياسة، ولا أن يعوض غياب العدالة، ولا أن يغلق جراحًا مفتوحة منذ سنوات.
الوحدة التي لا تُبنى على حقوق متبادلة، وعلى اعتراف حقيقي بالآخر المختلف، تبقى معرضة لأن تتحول من مشروع خلاص… إلى مجرد هتاف جميل في لحظة خوف.