--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين دخل الموت بلباس ضابط :

Salah Kirata • ١٧‏/٢‏/٢٠٢٦

0212a8203fe84634ab62e6e08e299428 (1).jpg

حين دخل الموت بلباس ضابط، الندوة التي اغتالت أبناءها :

كان حزيران يُلقي بثقله على الأجساد كما لو أنه يختبر قدرتها على الاحتمال. الهواء نفسه بدا سميكًا، يلتصق بالصدر قبل أن يدخل الرئتين، وكأن النفس يحتاج إذنًا إضافيًا ليعبر، لم يكن في اليوم ما يوحي بأنه مختلف؛ يوم طويل لا أكثر، من تلك الأيام التي نعدّ ساعاتها انتظارًا لإجازة وعدنا بها أنفسنا: 
ثماني وأربعون ساعة تضم السبت ١٦ / ٦ / ١٩٧٩ يومٌ كان يفترض أن يكون عطلة، اقله لا ادري لماذا كنا اوهمنا أنفسنا، لست مستذكرا فعلا هل كتبنا اجازات لمدة ٤٨ ساعة أم ٢٤، إلا أن شيئا من هذا يسكنني وقد عشعش في ذاكرتي ...
فإذا به يصير مسمارًا في ذاكرة سورية، مساءُه سيشهد أبشع جريمة ربما منذ أن عبر المغول والتتار هذه الأرض وتركوا المدن رمادًا يتطاير في الريح.
كل شيء سار وفق البرنامج المألوف: 
درس الرياضة من الثالثة والنصف حتى الرابعة والنصف، أجساد تتحرك بطاعة تشبه طاعة الآلات، ثم المطالعة من السادسة حتى الثامنة، تتخللها استراحة قصيرة بين السابعة والسابعة والربع،في تلك الدقائق رأينا العميد الركن أحمد نامي إسماعيل، المكلّف بتسيير أمور الكلية بعد انتقال اللواء عبد القادر عبد القادر من إدارة الكلية إلى قيادة سلاح المدفعية والصواريخ في سورية، ثم تعيينه مديرًا لإدارة المدفعية والصواريخ في القيادة العامة للجيش العربي السوري، مرّ حضوره ثقيلاً، صامتًا، كأن الرتب حين تعبر الممرات تُلقي ظلًّا أكثر مما تُلقي معنى، لم نلتقط من المشهد سوى اعتياده، والعادة تُخدّر الحذر...

عدنا إلى قاعات المطالعة، هناك مرّ إبراهيم اليوسف في جولة تفقدية بدت عادية، لم يكن في خطواته ما يعلن نهايتنا المقبلة، سوى تدقيقه في اللوحات الاسمية على صدورنا، نظراته كانت تلامس الأسماء كما لو أنها تُحصي ما سيتبقى من وجوه بعد أن تمحوها القنابل اليدوية ورشقات الكلاشنكوف. لاحقًا فقط فهمنا لماذا كان حريصًا على الأسماء، لأن الملامح ستضيع، ولأن مخازن البنادق أطول من المعتاد، تتسع لأكثر من ثلاثين رصاصة، كأن الرصاص نفسه قد زاد شهيته تلك الليلة.
عند السابعة وأربعين دقيقة جاء الإيعاز من إذاعة الكلية، لا يُنفّذ إلا بإذن الضابط القائد، الرائد سليمان الطويل من جبل العرب يومها، الذي سيُحكم عليه لاحقًا بالإعدام بقرار محكمة الميدان قبل أن يُخفّف الحكم إلى المؤبد بقرار من القائد العام رئيس الجمهورية، الإيعاز كان نشازًا : 
اجتماع دورات الكلية الحربية في الندوة، لم نعرف اجتماعًا مشتركًا من قبل، اعتدنا الفصل الصارم بين الدورة ٣٢ والدورة ٣٣، توقّف شيء صغير في داخلنا عند هذا الخبر، ثم واصل السير، لم نكن نملك رفاهية الشك، الغدر ليس تمرينًا يوميًا في الكليات العسكرية، ولم يخطر لنا أن ما سيأتي يفوق التصوّر نفسه...
اصطففنا، ثلاث فصائل من الدورة ٣٣ وانطلقنا عدواً نحو الندوة... كانت الأصوات تسبق الأجساد:
( أمة عربية واحدة… ذات رسالة خالدة )
( أضحي بدمي منتقمًا من أعداء بلادي صاعقة ثورة بعث بعث بعث )...
كانت الصيحات أعلى من اللازم، كأننا نريد أن نملأ بها فراغًا غامضًا في الصدر، دخلنا الندوة، فوجدنا طلاب الدورة ٣٢ جالسين على الكراسي، تزاحمنا بين الباب والبوفيه، التصقنا ببعضنا البعض، صناديق الكازوز المكدّسة أخذت حيزًا من المكان، وطاولات الرخام والأعمدة صنعت ممرات ضيقة لا تتسع إلا لارتباكنا، العدد تجاوز ثلاثمئة طالب، والمكان لا يحتمل هذه الكتلة البشرية، في تلك الكثافة كان الموت يجد هدفه الأقرب، مسافات دون المتر بين الصدور وفوهات البنادق...
دخل المجرم إبراهيم اليوسف عند السابعة وخمسون دقيقة تقريبا، يتوسط مسلحين اثنين، في تلك اللحظة، قبل أن يُقال أي شيء، حدث صمت داخلي جماعي، صمت لا يُسمع، كأن العيون وحدها تتساءل :
- لماذا السلاح جاهز؟..
-  لماذا الأكتاف مشدودة؟..
 تقدّم الطالب الأقدم علي خيزران لتقديم الصف بعد تسجيل الغياب المشروع وغير المشروع، بين الأسماء طالب كنيته جنبلاط، كان في حلب، وسيظهر لاحقًا على الشاشات بطلاً مفترضًا، يصنع من غيابه بطولة، بينما الحقيقة أنه لم يكن في قلب الرصاص، وأن ادعاءه كان أقلّ فظاعة من الجريمة نفسها.
حين قال الضابط ( استرح ) انفلت الهرج والمرج، همهمة، حركة أقدام، ارتباك يتسلّل من جسد إلى جسد كما تتسلّل العدوى. عندها ارتفع صوت إبراهيم اليوسف :
( طلاب، نحن لا نريد أن نؤذي أي طالب منكم، هناك عدد من الطلاب هم من نحتاجهم ).
هنا صوته بدأ يرتجف رجفة من يريد أن يطمئن ضحاياه كي يُحكم الطوق ثم رمى تهديده :
( البناء محاصر وملغوم، لا أحد يفكّر بالقفز من النوافذ، لأنه سيفجّر البناء على نفسه وعلى رفاقه )
أخرج الأوراق وبدأ قراءة الأسماء. في تلك الثواني القصيرة، بدأ الفرز الطائفي يظهر بوضوح فجّ، لم يكن دقيقًا مئة بالمئة، لأن مكان الولادة قد يضلّل الهوية، لكن المعيار كان طائفيًا بلا مواربة، هنا بدأ الخوف يغيّر شكله، لم يعد خوفًا من عقوبة أو تحقيق، صار خوفًا من أن يُختزل الإنسان في اسمه ومكان ولادته، خرج نحو أربعين طالبًا، قرابة خمسة عشر بالمئة من مجموع الدورتين، الحساب البارد كان متوافقًا مع التركيبة الطائفية حيث تتجاوز نسبة الطلاب العلويين خمسةً وثمانين بالمئة، ولهذا بدا لاحقًا أن عدد الشهداء العلويين أكبر، أمر صحيح حسابيًا، مُدان أخلاقيًا، لأن الأرقام لا تبرّر الذبح...
عند الثامنة مساءً دوّت رشّات بندقية من قلب الكلية، في داخلنا حدث سوء فهم قاتل، ظننا أن من خرجوا اعتُقلوا من المخابرات، لم يخطر ببال أحد أن الجريمة تُجهَّز لنا نحن، بالنسبة للطلاب السنّة كان الظنّ منطقيًا لأن وحدات من الصف المتقدم كانت قد آزرت المخابرات العسكرية مرة واحدة في ملاحقة مطلوبين، اقتصر دورها على إغلاق المنافذ، ربما أخطأ أحدهم، قلنا لأنفسنا...
أما الطلاب العلويون، فذهب بعضهم إلى ظنّ انقلاب وقع، وأن تصفية بدأت بحق طلاب وضباط من طائفتهم...
الرصاص الذي عرفنا لاحقًا أنه استهدف عمّال المقسم لإحراقه وقطع الاتصالات كان الإشارة المتفق عليها لبدء المجزرة. في تلك اللحظة، قبل أن يُطلق الرصاص علينا، كان الخوف قد انقسم في صدورنا إلى مخاوف متناقضة، وكلها خاطئة...
عاد المجرم إبراهيم اليوسف يتوسط المسلحين بعد أن كان يتقدمها بخطوة أو اثنتين، صار بمحاذاتهما، رفع يده إشارة صغيرة، تكاد لا تُرى، انفتحت فوهات البنادق دفعة واحدة، الرصاص خرج كالسيل، يجرّ وراءه صراخًا لم نكن نعرف أنه يمكن أن يخرج من صدور بشرية بهذا العمق، وحين تبدّلت المخازن، أُلقيت قنابل دفاعية ذات قدرة قتل كبيرة، ستٌّ وستون شظية في كل قنبلة، كل شظية تبحث عن جسد لتثبّت فيه معنى موتها...
أحمد زهيرة، الشهيد الذي كان بطلاً حقيقيًا، مدّ يده نحو القنبلة ليعيدها إلى حيث جاءت، في تلك الحركة القصيرة، كان هناك زمن كامل من الشجاعة، زمن لا يقاس بالثواني بل بالمعنى،انفجرت القنبلة في وجهه، طار جسده إلى الأعلى قرابة مترين، التصقت فروة رأسه بسقف البناء كما تلتصق ورقة مبتلة، تساقطت أشلاؤه على الشهداء ومن كانوا في حكمهم، فقد غطّى الدم كل شيء حتى لم نعد نعرف من المصاب ومن الشهيد ومن غُطّي بأجساد غيره، الأعمدة وطاولات الرخام صارت ملاذات أخيرة لأجساد عزلاء، تختبئ خلف الحجر من معدنٍ أعمى...
من حاول القفز من النوافذ واجهه وابل رصاص، أربعة مسلحين سيطروا على النوافذ الأربع، الذين حاولوا الفرار تساقطوا كما تتساقط الطيور حين تُثقَب أجنحتها في الهواء. لم يعد للنوافذ معنى الخلاص؛ صارت فمًا آخر للموت.
وبعد أن أُنجزت ( المهمة ) دخل  المجرم إبراهيم اليوسف ومن معه بين أكوام الشهداء والجرحى والمذهولين، يطلقون النار على كل من لا تزال فيه روح، كان القتل هنا بلا وظيفة عسكرية، بلا ذريعة، بلا حتى استعجال، قتل بطيء لمنع أي حياة من النجاة، قتل لما تبقّى من القدرة على الشهادة.  
وبعد أن أُنجزت ( المهمة - الجريمة  ) دخل إبراهيم اليوسف ومن معه بين أكوام الشهداء والجرحى والمذهولين، يطلقون النار على كل من لا تزال فيه روح، لم يأتِ الصمت فورًا، تأخّر الصمت، كأنه يخشى الدخول إلى مكان امتلأ بالموت حتى التخمة. بقي الرصاص يتردّد في الأذن زمنًا أطول من زمن إطلاقه، وبقيت القاعة تهتزّ في الداخل، لا لأن الجدران ترتجف، بل لأن الأجساد التي التصقت بها الذكريات كانت ما تزال ترتعش...
كنّا نخاف أن نتنفس، صار النفس فعلَ شبهة، كل حركة قد تكون آخر حركة، بعضنا شدّ على جراحه بيده، لا طلبًا للشفاء بل لتذكير نفسه أن الألم دليل حياة، بعضنا ترك جسده يثقل على الأرض، متظاهرًا بالموت، ليس تمثيلاً بقدر ما هو رجاءٌ بأن يُخطئ القاتل في الحساب مرة واحدة،في تلك اللحظات، لم يكن الخوف صراخًا، كان صمتًا كثيفًا، صمتًا نسمعه داخل رؤوسنا كطنين طويل...
لم نكن نعرف إن كانوا قد خرجوا فعلًا أم ما زالوا بيننا، المكان فقد تعريفه: لم تعد الندوة قاعة، بل صارت حفرة بلا حفرة، جرحًا مفتوحًا في قلب بناء يفترض أنه للتعليم والانضباط، الأعمدة التي احتمينا بها صارت شواهد صامتة، وطاولات الرخام التي كانت قبل دقائق أدوات للجلوس والمطالعة صارت حواجز أخيرة بين اللحم والرصاص. الأرض كانت زلِقة من الدم إلى درجة أن من حاول أن يزحف كان يخشى أن يترك أثر حياة فيُكتشف...
في ذلك الصمت المتأخر، بدأ الوعي يعود ببطء، لا كعودة كاملة، بل كقطع متناثرة :
 وجه صديق لا يتحرك، صوت كان يصرخ ثم انقطع فجأة، يد ممدودة لا نعرف هل تطلب النجدة أم تودّع. لم نعد نميّز بين الدورة ٣٢ والدورة ٣٣ ولا بين من جلس على الكراسي ومن تزاحم عند البوفيه، الندوة سوّت الجميع في طبقة واحدة من الألم، صار المكان كله جسدًا واحدًا مصابًا، وكل جسد جزءًا من مكان مكسور...
كان هناك من يحاول أن يهمس باسم زميله، لا ليوقظه بل ليطمئن أن الاسم ما زال موجودًا في هذا العالم، الأسماء التي دقّق فيها القاتل قبل قليل عادت لتكون آخر ما نتمسّك به، أن نُسمّي بعضنا كي لا نذوب تمامًا في كومة الدم، بعض الجرحى كانوا يعضّون على أكمامهم كي لا يخرج الأنين عاليًا، ليس شجاعة، بل خوفًا من رصاصة إضافية، وبعضهم، حين أدرك أن الحركة صارت عبثًا، استسلم لثقل الجسد على الرخام البارد، وكأن البرودة وحدها قادرة على تخفيف نار الداخل...
في تلك اللحظات، انهارت الأفكار الكبيرة دفعة واحدة، لم تعد الشعارات التي هتفنا بها قبل دقائق تجد لها مكانًا في الصدر فالوطن صار سؤالًا بلا جواب، والمؤسسة صارت جدارًا لا يحمي من الداخل، والطائفة التي فُرِزت الأسماء على أساسها صارت سكينًا في معنى الانتماء نفسه، ومع ذلك، كان هناك وعي مرّ يولد تحت الركام، أن ما جرى لن يبقى في هذه القاعة، وأن الندوة لن تُغلق على جثثها، بل ستُفتح في ذاكرة كل من بقي حيًا، وستخرج إلى الشوارع والبيوت والسنين القادمة. .
حين استقرّ الصمت أخيرًا، لم يكن صمت نجاة، بل صمت ما بعد الذبح، صمتٌ يشبه اللحظة التي تلي سقوط حجر في بئر، نسمع الصدى طويلًا، ثم ندرك أن الحجر استقرّ في القاع، وأن الماء لن يعود كما كان...
 الندوة، منذ تلك اللحظة، لم تعد مكانًا في كلية المدفعية، بل صارت مكانًا في الرأس، في الصدر، في النوم واليقظة، صارت جرحًا مفتوحًا في الزمن السوري، لا يُغلق لأنه كلما حاول أن يلتئم، تذكّرناه فنُعيد فتحه بأيدينا المرتعشة.
يتبع…