
حين لا يسقط النظام: أسئلة الحرب التي لم تُطرح:
في الحروب الكبرى، لا تكمن الأهمية فقط في ما يحدث على الجبهات، بل في الأسئلة التي تبقى معلّقة بعد أن يهدأ صوت السلاح. فالحروب ليست مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل هي أيضاً اختبار للخطط، وللقدرة على فهم الخصم، وللرؤية الاستراتيجية التي تقود القرار منذ لحظة إطلاق الشرارة الأولى وحتى لحظة البحث عن مخرج.
استبعدت تقديرات أميركية وإسرائيلية أخيراً احتمال انهيار النظام في إيران في المدى القريب.
قد يبدو هذا الاستنتاج، للوهلة الأولى، مجرد قراءة استخباراتية باردة لتوازنات القوة داخل إيران. لكن ما بين سطور هذه التقديرات تختبئ أسئلة أكبر بكثير من مجرد تقدير موقف: أسئلة تتعلق بجوهر الحرب نفسها، وبأهدافها، وبالنتائج التي يمكن اعتبارها نصراً أو هزيمة.
السؤال الأول، وربما الأكثر إلحاحاً:
إذا كان الهدف الأهم من هذه الحرب ــ وهو إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى الانهيار الداخلي ــ لم يتحقق، فهل يعني ذلك أن النظام الإيراني خرج منتصراً من هذه المواجهة؟
في منطق الحروب الكلاسيكية، لا يُقاس النصر فقط بما يحققه الطرف المهاجم، بل أيضاً بما يفشل في تحقيقه. فإذا كانت الحرب قد اندلعت تحت عنوان كبح إيران أو تغيير سلوكها جذرياً أو حتى إضعاف بنيتها السياسية، فإن بقاء النظام متماسكاً بعد كل الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل تحوّل مجرد بقاء النظام إلى شكل من أشكال الانتصار؟
لكن السؤال الأعمق ربما يسبق ذلك كله:
-لماذا شُنّت هذه الحرب من الأساس؟
-هل بدأت بلا خطة واضحة لنهايتها؟
أم أن من خطط لها لم يكن يمتلك فهماً دقيقاً لطبيعة النظام الإيراني، وخصوصاً بنيته العقائدية؟
فإيران ليست مجرد دولة تقليدية تقوم على معادلات السلطة المعروفة. النظام هناك يقوم على مزيج معقّد من العقيدة الدينية، والشرعية الثورية، وشبكات أمنية وعسكرية متشابكة، وعلى رأسها الحرس الثوري. هذه البنية تجعل النظام أكثر قدرة على امتصاص الضربات مما تتوقعه الحسابات السياسية التقليدية.
لقد أثبتت تجارب عديدة في الشرق الأوسط أن الأنظمة العقائدية لا تسقط بسهولة تحت الضغط الخارجي، بل غالباً ما تزداد تماسكاً. فالحرب الخارجية تمنحها ما تحتاجه تماماً: عدواً واضحاً، ومبرراً لتعبئة المجتمع، وغطاءً لتشديد القبضة الداخلية.
وقد شهد التاريخ القريب أمثلة واضحة على هذا النمط. ففي الحرب العراقية–الإيرانية التي اندلعت عام 1980، كان الاعتقاد لدى كثيرين أن النظام الذي نشأ بعد الثورة الإيرانية ما زال هشاً وقابلاً للانهيار تحت ضغط حرب طويلة. لكن ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ تحولت الحرب إلى عامل تعبئة كبرى داخل إيران، وأسهمت في ترسيخ بنية النظام بدلاً من إضعافها.
كما أن تجارب أخرى في المنطقة أظهرت أن إسقاط الأنظمة من الخارج غالباً ما يكون أكثر تعقيداً مما يبدو في الحسابات الأولية. فالحروب التي تُبنى على تقديرات سريعة لطبيعة المجتمعات والأنظمة تتحول في كثير من الأحيان إلى صراعات طويلة ومكلفة، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً واستراتيجياً أيضاً.
وهنا يظهر الاحتمال الثالث، الأكثر إثارة للقلق:
ماذا لو لم يكن الهدف الحقيقي للحرب هو إسقاط النظام الإيراني أصلاً؟
ماذا لو كان الهدف غير المعلن يتمثل في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للمنطقة بأكملها؟
في هذا السياق، يطرح بعض المحللين احتمالاً مختلفاً: أن تكون الحرب جزءاً من عملية أوسع لإعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط، خصوصاً في منطقة الخليج العربي.
فالخليج، الذي تحوّل خلال العقود الماضية إلى أحد أكبر أسواق السلاح في العالم، يعيش دائماً في ظل معادلة أمنية حساسة. كل تصعيد عسكري كبير في المنطقة يفتح الباب أمام موجات جديدة من التسلح، وصفقات دفاعية بمئات المليارات، وإعادة ترتيب منظومات الأمن الإقليمي.
ومن هذا المنظور، قد تبدو الحروب أحياناً وكأنها تؤدي وظيفة مزدوجة:
إدارة الصراع، لا إنهاؤه.
فالشرق الأوسط، في الحسابات الدولية، ليس فقط ساحة نزاعات سياسية، بل أيضاً سوقاً استراتيجية كبرى للطاقة والسلاح والنفوذ. وفي مثل هذه البيئة، قد لا يكون الهدف النهائي هو الحسم الكامل، بل إبقاء التوازن عند مستوى يسمح بإعادة إنتاج القوة والردع والاعتماد الأمني.
وقد عرف تاريخ المنطقة هذا النوع من التوازنات الهشة منذ عقود، فالصراعات لا تنتهي غالباً بانتصار حاسم، بل بإعادة ضبط موازين القوى بطريقة تضمن استمرار حالة الردع المتبادل، بما يفتح الباب أمام دور دائم للقوى الكبرى في إدارة الأمن الإقليمي.
لكن مهما كانت التفسيرات، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً هي أن الحروب التي تبدأ بلا تصور واضح لنهايتها تتحول غالباً إلى حروب مفتوحة على مفاجآت لا يريدها أحد.
فالحرب التي تُخاض على أساس تقديرات ناقصة قد تحقق بعض أهدافها الجزئية، لكنها قد تفتح في المقابل أبواباً لأزمات أكبر. وقد يتحول الهدف الأصلي للحرب مع مرور الوقت إلى مجرد جزء صغير من لوحة أكثر تعقيداً.
واليوم، بعد كل ما جرى، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد:
-هل سينهار النظام الإيراني؟
بل ربما أصبح السؤال الأهم:
-من الذي ربح فعلاً من هذه الحرب، ومن الذي سيدفع ثمنها على المدى الطويل؟
ففي الشرق الأوسط، كثيراً ما تنتهي الحروب بنتيجة واحدة ثابتة:
الأسئلة تبقى… حتى بعد أن يصمت السلاح.
وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو ذاك الذي لا يُطرح كثيراً في النقاشات العلنية:
هل كانت هذه الحرب منذ بدايتها محاولة لتغيير نظام، أم أنها كانت خطوة في لعبة استراتيجية أكبر تتعلق بإعادة تشكيل المنطقة بأكملها؟.
ذلك أن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تُقاس فقط بما تعلنه الدول عن أهدافها، بل بما تكشفه نتائجها بعد سنوات. وعند تلك النقطة فقط يتضح ما إذا كانت الحرب قد شُنّت لتحقيق هدف محدد… أم لفتح مرحلة جديدة من الصراع.
وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تتشابك المصالح الدولية مع الهويات والصراعات المحلية، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن الحروب قد تبدأ بقرار واحد، لكنها لا تنتهي أبداً عند النقطة التي خُطط لها في البداية.