
حين نمشي في طريقٍ لا يُزهر… نزرع ما نستطيع:
"لم يَكن الطريق يومًا لنا مُزهرًا،
ولكن زرعنا خلاله ما استطعنا".
أكتب هذا وأنا لا أبحث عن تبريرٍ متأخر، ولا عن رومانسيةٍ تعيد ترتيب الخسارات في صورةٍ أجمل مما كانت عليه. أكتبه لأنني ما زلت واقفًا في منتصف الطريق ذاته، أرى ما تبقّى من أثر الخطوات، وأعرف تمامًا أن هذا المسار لم يكن يومًا مفروشًا بالطمأنينة، ولا ممهّدًا لمن يملك فقط إرادة النجاة...
أنا لا أتكلم من موقع الشكوى، بل من موقع من جرّب أن يسير حين كان السير نفسه فعلاً مقاومًا، في هذا الطريق لم تكن الظروف محايدة، ولم تكن العدالة جزءًا من هندسته، فقد كان عليّ أن أتعلم بسرعة كيف أُميّز بين ما أستحقه وما يمكنني فقط أن أتحمّله، بين ما أحلم به وما يسمح به الواقع دون أن ينكسر...
ومع ذلك، لم أتوقف، لم أفعلها لأن الطريق كان يستحق الإصرار، بل لأن التوقف لم يكن خيارًا أصلاً، في لحظات كثيرة، لم أكن أملك ترف إعادة الحسابات، كنت فقط أواصل، كمن يزرع في أرضٍ لا تضمن له حتى موسم الحصاد، لكنه يزرع لأن الفكرة نفسها—فكرة الزراعة—هي ما يبقيه حيًا...
لقد تعلمت أن الإنجاز في هذه الظروف لا يُقاس بحجم الثمار، بل بقدرة اليد على البقاء في التراب، وأن القيمة الحقيقية ليست في أن يكون الطريق مزهرًا، بل في أن نترك فيه أثرًا صغيرًا يدل على أننا مررنا من هنا، أننا حاولنا، أننا لم نكن عابرين بلا معنى...
إلا أني أدرك اليوم أنني لم أكن أطلب طريقًا سهلاً بقدر ما كنت أطلب عدالة بسيطة، اقصد أن يكون للجهد معنى، وأن لا تضيع الخطوات في فراغٍ لا يعترف بأصحابها، لكنها الحياة—كما عشتها—لم تكن ملتزمة بهذا العقد غير المكتوب...
ومع ذلك:
حين أعود بالنظر، أجد أن ما زرعته، حتى لو لم يزهر كما حلمت، لم يختفِ تمامًا، غربما لم يتحول إلى حدائق، لكنه بقي علامات، إلا انه بقي دليلًا أنني كنت هناك، وأنني لم أستسلم لفراغ الطريق، وأنني قاومته بالفعل الوحيد الذي أملكه: الاستمرار...
أنا لا أقول إن الطريق أصبح أسهل،لكنه أصبح مفهومًا أكثر، إذ لم يعد مفاجئًا لي أن لا يكون مزهرًا، لأنني لم أعد أبحث عن الزهور بقدر ما أبحث عن المعنى في الزراعة نفسها.
وفي النهاية:
أكتب هذا لا كخلاصة انتصار، بل كشهادة هادئة:
( قد لا يكون الطريق لنا مزهرًا أبدًا،
لكننا—ما دمنا نسير—نظل نزرع ما نستطيع ).