--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

"حين صار الصمت علاجًا

Salah Kirata • ١‏/٥‏/٢٠٢٦

29170.png

"حين صار الصمت علاجًا"

في تلك السنوات الثقيلة من عقد الثمانينات، لم يكن الخوف مجرد شعور عابر، بل كان هواءً يوميًا يتنفسه الناس دون أن ينتبهوا إلى اختناقه في صدورهم. في ساحات التدريب الجامعي، حيث يفترض أن تُصقل العقول كما الأجساد، وقف أحد أركان السلطة مخاطبًا وجوهًا شابة لم تختبر بعد قسوة العالم، ليضع أمامها خيارًا يبدو حاسمًا كحد السيف: إما الفوضى التي تلتهم البلدان كما يحدث في لبنان، أو الاستقرار الذي تصنعه قبضة قوية لا ترتجف.

لم يكن ذلك الطرح بحاجة إلى براهين كثيرة، فصور الحرب الأهلية في الجوار كانت كافية لترهيب الخيال. مدن ممزقة، ميليشيات، دماء على الهوية. وفي المقابل، قُدمت سوريا بوصفها نجت من المصير ذاته بفضل رجل واحد، قيل إنه جمع بين الحكمة والشرعية، وإنه استطاع أن يختصر الدولة في شخصه دون أن يقال ذلك صراحة. أما السؤال عن مصدر هذه الشرعية، فكان من الأسئلة التي لا تُطرح، ليس لأن الإجابة معقدة، بل لأنها معروفة أكثر مما ينبغي.

كان الجميع يدرك، ولو بصمت، أن المعادلة أبسط مما تُصاغ به في الخطب: القوة أولًا، ثم كل شيء آخر يأتي لاحقًا كتبرير. في المجالس الضيقة، بعيدًا عن المنابر الرسمية، كانت اللغة أكثر صراحة وأقل تزيينًا. هناك، كان يُقال إن المجتمع نفسه عاجز عن إدارة شؤونه، وإنه إن تُرك لنفسه سينفجر صراعًا بين طوائفه وعشائره، وأن الحل الوحيد هو سلطة لا تتردد في استخدام القسوة.

هكذا ترسخت فكرة أن الاستبداد ليس خيارًا سيئًا، بل ضرورة وقائية. وكأن البلاد تقف دائمًا على حافة هاوية، لا يمنع سقوطها سوى يد مشدودة على أعناق الجميع. ومع مرور السنوات، لم تعد هذه الفكرة حكرًا على السلطة، بل تسربت إلى عقول كثيرين، حتى أولئك الذين كانوا يدفعون ثمنها يوميًا. صار الخوف من البديل أكبر من الألم القائم، وتحول الاستقرار إلى قيمة عليا، حتى لو كان ثمنه الصمت الكامل.

لكن المفارقة التي لم يجرؤ أحد على تفكيكها بجدية كانت واضحة لكل من تأمل قليلًا: إذا كان هذا الحكم قد جاء ليهذب المجتمع ويعيد تشكيله، فلماذا بقي المجتمع، بعد عقود، كما يُقال عنه في البداية؟ لماذا لم تتحقق تلك الوعود التي تبرر استمرار القبضة الحديدية؟ هل كانت المشكلة في الناس فعلًا، أم في الطريقة التي أُديرت بها البلاد؟

في العمق، لم تكن هذه الفكرة جديدة. هي امتداد طويل لتراث سياسي يرى في الناس خطرًا يجب ضبطه، لا طاقة يجب إطلاقها. في هذا التراث، يتحول الحاكم إلى ضرورة أخلاقية، مهما كان ظلمه، لأن البديل يُرسم دائمًا بصورة أكثر رعبًا. وهكذا، يُعاد إنتاج الخوف جيلاً بعد جيل، حتى يصبح جزءًا من الوعي الجمعي.

ومع الزمن، لا يكتفي الاستبداد بإخضاع الأجساد، بل يعيد تشكيل النفوس. يخلق إنسانًا يتقن التكيف، يساوم على قناعاته، ويخفي ما يفكر به. ومع تراكم هذه التحولات، تظهر نتيجة أخطر: الاعتياد. إذ يبدأ الناس برؤية القمع كحالة طبيعية، بل وقد يخشون زواله، لأنهم لا يعرفون كيف يعيشون بدونه.

حين بدأت الشقوق تظهر في هذا البناء، لم يكن غريبًا أن ترتفع أصوات تطالب بالعودة إلى ما كان. فالفوضى التي خرجت إلى السطح بدت للكثيرين دليلًا على أن الحرية نفسها هي المشكلة، لا غيابها الطويل. وكأن المرض الحقيقي لم يكن في القيد، بل في محاولة كسره.

في المقابل، هناك من ظل يراهن على إمكانية بناء واقع مختلف، حتى لو بدا ذلك أقرب إلى الحلم. هؤلاء يُتهمون بالمثالية، وربما بشيء من التسرع، لكنهم على الأقل يتطلعون إلى مستقبل لم يُجرب بعد. أما دعاة العودة إلى القبضة القديمة، فهم يطالبون بالرجوع إلى تجربة معروفة بكل تفاصيلها، تجربة لم تُنتج إلا مزيدًا من الصمت والخوف.

وهنا تتكشف الحقيقة القاسية: لم يكن الهدف يومًا شفاء المجتمع، بل ضبطه. لم يكن المطلوب معالجة الخلل، بل إخفاء أعراضه. فالمريض، في هذه المعادلة، لا يُسأل عن ألمه، بل يُطلب منه أن يتوقف عن الشكوى، وأن يتصرف كأنه بخير، حتى لو كان ينزف في الداخل.

وهكذا، استمر المشهد: دولة تخشى شعبها، وشعب يخشى نفسه، وبينهما تاريخ طويل من الخوف المتبادل، يُعاد تدويره كلما ظن أحدهم أن الخلاص قد اقترب.