
حين صمتت تدمر
دخلتُ سجن تدمر العسكري قبل الفجر، حاملاً اسمي كما يُحمَل خطأ، وشعرت منذ اللحظة الأولى أنّ كل حجر فيه يستمع لنا قبل أن نسمع نحن أنفسنا. الزنازين ضيقة، الممرات أضيق، والهواء ثقيلاً برائحة الرطوبة والحديد والعرق. منذ الليلة السابقة لاحظنا تغيّر الإيقاع: أبواب تُفتح وتُغلق بلا سبب، الحراس أكثر صرامة، والهمس بين السجناء أصبح أقل من المعتاد. كل شيء كان تمهيدًا ليوم سيُسجَّل بالدم، يومًا لن يُنسى.
وصل الخبر همسًا: محاولة اغتيال فاشلة للرئيس حافظ الأسد. لم نكن طرفًا، لكن الكلمة كانت كافية لتبرير ما سيأتي: عقاب جماعي، صمت كامل، وعدد من القتلى لا يُحسب.
مع أول خيوط الفجر، سمعت هدير المروحيات ووقع أقدام الجنود على البلاط قبل أن يرى أحد الضوء. الأبواب انفتحت دفعة واحدة، ودخلت وحدات سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، وجوههم مغطاة، خطواتهم محسوبة، أيديهم على الأسلحة، وعيناهم تحدقان في كل حركة قبل أن نفعلها نحن. لم يُسأل أحد: من أنت؟ تلقّى الجميع الأمر ذاته بصمت واحد: “قف هنا أو مت”.
بدأ الاقتحام من جناحنا، جناح A، حيث المعتقلون السياسيون الأكبر سنًا، حوالي مئة وعشرين سجينًا موزعين على زنازين صغيرة، كل زنزانة تحوي عشرة أشخاص. اقتحمت الوحدة الأولى، فتحوا الأبواب واحدة تلو الأخرى، رشّوا الغاز، وأمروا الجميع بالوقوف صفوفًا متلاصقة. الطلقات الأولى جاءت في الأرض لتخويفنا، ثم مباشرة نحو أي حركة. صرخات كبار السن امتزجت بهمسات صغيرة: “الله يكون معانا”، “اصمت… لا تتحرك…”. البعض وضع يده على صدره كرمز للنجاة، آخرون ربطوا أذرعهم حول بعضهم البعض كصندوق أمان وهمي. عناصر الدفاع يتحركون كآلة دقيقة: الأول يفتح الباب، الثاني يسحب المعتقلين، الثالث يغطي الزوايا، الرابع ينقل الجثث إلى الممرّات.
لم نتمكن من استيعاب ما يحدث قبل أن تنتقل الموجة إلى جناح B، الشباب والطلاب، حوالي مئة وخمسين سجينًا موزعين على زنازين صغيرة. رأيت أصدقاء يضغطون أسماء أحبائهم على صدورهم، يرددونها بصوت منخفض كدعاء أخير: “أمي… لا تتركني…”. الحركة كانت منظمة: غرفة غرفة، زاوية زاوية، كل جثة تُسحب إلى الممرّ، كل زاوية تُفحص للتأكد من عدم وجود ناجين. أصوات الصرخات امتزجت بهدوء الرصاص، وهمسات الموت: “لا تتركوني… اصمت… لا تتحرك…”.
الساعة السادسة صباحًا، جناح C، المعتقلون الجدد، حوالي مئة شخص. لم يُسمح لهم بالتحرك، وكل محاولة للتنفس بحرية قوبلت بالرصاص أو الضرب. عناصر الدفاع يقسمون الزنزانة إلى مناطق صغيرة، يغطّون الزوايا، ويسحبون الجثث فورًا. أصوات السجناء تتداخل: “اللهم احفظنا… لا تتركوني…”.
الساعة السادسة وخمس عشرة دقيقة، جناح D، أكبر جناح، مئتا سجين موزعين على عشرين زنزانة. هنا رأيت أكبر عدد من القتلى. الحركة أكثر صرامة: كل جناح مقسم إلى مربعات صغيرة، كل زاوية مراقبة، كل جثة تُسحب إلى الممرّ بسرعة إداريّة. صرخات الأطفال امتزجت مع أصوات الرصاص: “أمي… لا تتركني…”، همسات: “أرجو أن أرى الشمس غدًا…”.
أخيرًا، الساعة السادسة والنصف، جناح E، حوالي ثمانين سجينًا موزعين على ثمانية زنازين، شبه فارغ بسبب النقل السابق. من بقي لم يكن له مكان للهروب. أصوات الدعاء الفردية هنا كانت أطول: “اللهم أنقذنا…”، همسات منخفضة: “اصمت، لا تتحرك، فقط نجُ”…
خلال الاقتحام، من نجى من الرصاص أو الضرب تحرك بصمت، يحاول أن يختفي في زاوية أو بين الأجساد، يهمس بأسماء أحبائه، يدعو بصوت منخفض، ويتمنى أن تمرّ الموجة التالية من الموت. بعضهم يربطون أذرعهم حول بعضهم البعض، الآخرون يضعون أيديهم على صدورهم كحماية وهمية، ويحدقون في الجدران كأنها شاهدة صامتة على آخر مرة يرون فيها العالم.
كل جناح كان له موعده مع الموت، وكل خطوة تخطوها وحدات الدفاع كانت محسوبة: اقتحام سريع، رصاص مباشر، ضرب جماعي، وسحب الجثث لتختفي كما لو أنّها لم توجد يومًا. الموجات استمرت حتى الساعة السابعة والنصف صباحًا، حين انتهت وحدات الدفاع من آخر جناح. بعد ذلك تغيّر كل شيء في السجن: الصمت صار قانونًا مكتوبًا على الجدران، والخوف صار نظام دوام، والحياة احتمالًا إداريًا يُراجع صباحًا ويُلغى مساءً.
خرجتُ أنا بالصدفة، نجوت من كل الموجات. النجاة ليست بطولة، بل خطأ صغير في جدول الموت. حملتُ أسماء بلا قبور، وأخرجتها إلى العالم. الصحراء ابتلعت صراخهم صباحًا، لكنها لم تستطع ابتلاع الحكاية. الحكاية الآن أمانة في فم من نجا، وفي أذن من يريد أن يسمع، وفي ورقة تعرف أنّ الصمت ليس حيادًا.
هوامش توثيقية
- التاريخ: 27 حزيران 1980
- عدد الضحايا: 500–1000 قتيل تقديريًا
- ظروف الاعتقال قبل المجزرة: اكتظاظ شديد، تعذيب، عزلة شبه تامة
- وحدات سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد نفذت العملية
- التسلسل الزمني لكل جناح وزنازينه تقريبي، بناءً على شهادات ناجين