
"ما جرى اليوم في عدد من المناطق السورية، تحت غطاء ما يُسمّى الاحتفال بعيد النوروز، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع من محاولات اختبار هيبة الدولة وجرّها إلى مربعات سبق أن دفعت البلاد ثمناً باهظاً للخروج منها.
المسألة هنا لا تتعلق بمناسبة بحد ذاتها، ولا بحق أي مكوّن في التعبير عن ثقافته، بل تتعلق بتحوّل بعض السلوكيات إلى خروقات تمسّ النظام العام، وتتجاوز حدود التعبير إلى الاستفزاز وفرض أمر واقع خارج إطار الدولة.
وهنا تحديداً، تظهر المفارقة التي كثيراً ما يتم تجاهلها: الفوضى لا تبدأ كفوضى شاملة، بل كأفعال جزئية يُراد لها أن تمرّ دون رد، لتتحول تدريجياً إلى حالة يصعب احتواؤها. هذا ما تعلّمته الدول من تجارب قاسية، وهذا ما لا يمكن لسورية أن تسمح بتكراره.
لقد عاشت البلاد سنوات من الاستنزاف، حيث تداخلت الفوضى الداخلية مع التدخلات الخارجية، وتدفقت الأموال والتحريض عبر قنوات متعددة، تحت عناوين مختلفة، لكنها التقت جميعاً عند هدف واحد: إضعاف الدولة وتفكيك المجتمع.
من هنا، فإن الحديث عن "القوة المشروعة" لا يأتي بوصفه تبريراً، بل بوصفه أحد أعمدة بقاء الدولة نفسها. فحين تُترك الساحة للانفلات، لا يبقى هناك مجال لحقوق أو حريات، لأن الجميع يصبح رهينة الفوضى.
لكن، وفي المقابل، فإن قوة الدولة لا تكتمل إلا بعدالتها. لا في استهداف مكوّن، ولا في تعميم الاتهام، بل في الحزم تجاه الفعل الخارج عن القانون، أياً كان فاعله، مع الحفاظ على وحدة المجتمع كخط أحمر لا يُمس.
الرهان اليوم ليس على ردّ فعل عابر، بل على تثبيت معادلة واضحة: لا عودة إلى الفوضى، ولا تساهل مع من يحاول إعادة إنتاجها، ولا تنازل عن دولة تحتضن جميع أبنائها وتفرض القانون عليهم بالتساوي.
سورية التي صمدت في وجه أخطر التحديات، لن تُستدرج إلى الفوضى مجدداً. ومن يظن أن اختبار صبر الدولة يمكن أن يمرّ دون حساب، يخطئ قراءة المرحلة… لأن ما بعد التجربة ليس كما قبلها."