
حين تصبح خيانة الوطن وهماً أخلاقياً لا يُكافَأ ولا يُغتفر:
تبدو بعض العبارات أقرب إلى الأمثال منها إلى الجمل العادية، لأنها تختصر تجربة إنسانية طويلة في صورة واحدة مكثفة، مثل قول غيڤارا:
(الذي باع بلاده، وخان وطنه، مثل الذي يسرق من بيت أبيه ليطعم اللصوص، فلا أبوه يسامحه، ولا اللص يكافئه)...
في هذا التشبيه تتجسد مفارقة قاسية، لكنها عميقة في دلالتها:
كون الخيانة ليست فقط فعلاً سياسياً أو قانونياً، بل هي انكسار في البنية الأخلاقية للإنسان نفسه، ذلك الذي يمد يده إلى ما لا يملكه، يظن أنه يشتري رضا طرف، أو ينجو من ضغط طرف آخر، لكنه في الحقيقة يخسر الطرفين معاً، ويقف في المنتصف بلا سند ولا غطاء...
إن فكرة (بيع الوطن) ليست مجرد شعار عاطفي، بل هي في جوهرها انتقال من الانتماء إلى المصلحة الضيقة، ومن الجماعة إلى الذات المنفصلة عن سياقها، لكن المفارقة أن من يتخيل أنه يكسب عبر هذا التحول، يكتشف أن السوق الذي دخل إليه لا يعترف بالولاء، بل بالمصلحة البحتة. واللص الذي ظن أنه سيكافئه، لا يرى فيه إلا أداة انتهت صلاحيتها، بينما (الأب) الذي تمثله الجماعة أو الوطن، لا يجد في فعله إلا خيانة لا يمكن محوها بسهولة...
إلا أن المشكلة الأعمق أن الخيانة لا تنتهي عند لحظة الفعل، بل تمتد إلى ما بعدها. فهي تُعيد تشكيل صورة الإنسان أمام نفسه أولاً، قبل أن يعيد المجتمع تعريفه، وحين يفقد الإنسان هذا التوازن بين صورته الداخلية وصورته الخارجية، يصبح معلقاً في فراغ قاسٍ: لا هو مقبول في الخارج، ولا هو مرتاح في الداخل...
لكن الأخطر من الخيانة الفردية، هو تطبيعها حين تتحول إلى سلوك مبرر أو (ذكاء سياسي) أو (براغماتية)، هنا تفقد المجتمعات قدرتها على التمييز بين المرونة والخيانة، وبين إعادة التموضع والانهيار الأخلاقي. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال:
- من خان؟..
بل يصبح:
لماذا لم يعد أحد يرى أن الخيانة خيانة؟..
إن الأمم لا تنهار فقط بالسلاح أو الحروب، بل تبدأ بالانهيار عندما تُعاد صياغة القيم الأساسية داخلها، بحيث يصبح الغدر وجهة نظر، والولاء سذاجة، والانتماء عبئاً. وحينها يصبح ذلك “السارق من بيت أبيه” مجرد نموذج متكرر في مشهد أكبر من الانحدار البطيء...
ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي لا تتغير: لا اللص يمنح مكافأة، ولا الوطن يمحو الخيانة بسهولة، وما بين الاثنين، يبقى الخائن عالقاً في منطقة لا يملك فيها إلا خسارته الخاصة، مهما طال الزمن أو تبدلت الشعارات.