
حين تصير الساحات معسكرات… ويغيب المعنى قراءة في وقفتي (باب توما - العباسيين) وكأننا أمام شعبين متخاصمين تاريخياً؟!
ما شهدته وقفتا العباسيين وباب توما لم يكن مجرد تعبير عن موقفين مختلفين، بل تحوّل سريع إلى مساحة جديدة لتبادل الغضب، وإعادة إنتاج الانقسام بشكل أكثر حدّة. كل طرف خرج ليقول كلمته، لكن اللافت أن الرد لم يكن على الفكرة بقدر ما كان على “الطرف الآخر” نفسه، وكأن القضية لم تعد تتعلق بمطلب أو قرار، بل بهوية يجب الانتصار لها وإقصاء غيرها.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في اختلاف الناس، فهذا أمر طبيعي وصحي، بل في الطريقة التي يتم بها التعامل مع هذا الاختلاف. حين يُقابل رأيٌ بالسخرية والاحتقار، وحين تتحول الوقفة من مساحة تعبير إلى مناسبة للتجريح، فنحن لا نختلف في الرأي فقط، بل نعيد إنتاج ذات الذهنية التي لطالما اشتكينا منها.
الأخطر من ذلك أن بعض الأصوات اختارت توصيف هذا المشهد بعبارات قاسية، تصل إلى حد تعميم صورة سلبية عن المجتمع بأكمله، وكأننا محكومون بقدر واحد لا فكاك منه. هذا التوصيف، رغم مرارته، يتجاهل حقيقة أساسية: أن المشكلة ليست في “الطبيعة” بقدر ما هي في الثقافة التي تُغذّي هذا النمط من التفكير والإقصاء.
في خضم هذا الجدل، لعب المؤثرون دوراً ملحوظاً في توجيه بوصلة النقاش. بدلاً من التوقف عند جوهر المطالب أو تقييمها بموضوعية، جرى اختزال المشهد إلى عناوين جذابة، ومسميات ساخرة تزيد من الاستقطاب: ففريق يُسمى بطريقة تنال من صورته، وآخر يُقدَّم كأنه النموذج “الصحيح”. وهكذا، يتحول النقاش من مساحة وعي إلى مساحة تسلية، ومن حوار إلى ترند.
النتيجة أن الجمهور، في معظمه، لم يتوقف ليتساءل: ما هي مشروعية هذه الوقفات؟ وما هي المطالب المطروحة؟ وهل يمكن أن تحمل هذه المطالب حلولاً مفيدة للجميع؟ بل جرى الانجرار وراء ما يُنشر ويُروّج، دون تمحيص أو تفكير، وكأن الحقيقة تُختزل في عدد الإعجابات والمشاهدات.
المؤسف أن كلا الطرفين يرفع شعار “حب الوطن”، لكن هذا الحب، في كثير من الأحيان، يبدو انتقائياً. وطن يُراد له أن يكون على مقاس طرف واحد، بينما يُقصى منه الآخر. وهذا بحد ذاته نفي لفكرة الوطن، التي يفترض أن تقوم على التنوع والتعدد، لا على الإقصاء والتشابه القسري.
ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف عابر، بل انعكاس لنمط أعمق من التفكير: نحن نميل إلى رؤية الآخر من خلال عدسة الكراهية، فنُسقط عليه كل ما نرفضه، ونتجاهل أي نقطة التقاء ممكنة معه. وبذلك، نفقد القدرة على رؤية الفضائل في من نختلف معه، كما نفقد القدرة على الاعتراف بأخطائنا حين نكون نحن الطرف المقابل.
الحقيقة أن المجتمعات لا تُبنى بالشعارات، بل بالقدرة على الاستماع، والاختلاف، والاعتراف بالآخر. وإذا استمررنا في تحويل كل اختلاف إلى معركة، وكل رأي إلى صراع، فسنظل ندور في نفس الحلقة، نعيد إنتاج الانقسام ذاته بأشكال مختلفة، بينما يبتعد المعنى الحقيقي لما نطالب به جميعاً: وطن يتسع للجميع.