
حين تتبدّل الأدوار وتبقى المصالح
في عالم السياسة، لا تكفي الشعارات لفهم ما يجري، ولا تصلح الخصومات المعلنة لتفسير كل ما يحدث خلف الكواليس. فهناك مستوى أعمق تتحرك فيه الدول، حيث لا مكان للثبات، بل شبكة معقدة من المصالح التي تتقاطع حينًا وتتصادم حينًا آخر، دون أن تنفصل تمامًا.
في قلب هذا المشهد يقف ثلاثي طالما قُدِّم للناس على أنه متناحر: إيران وأمريكا وإسرائيل. غير أن قراءة أكثر هدوءًا تُظهر أن العلاقة بينهم لم تكن يومًا قطيعة مطلقة، بل أقرب إلى حالة واحدة متبدّلة الأوجه، تتغير فيها الأدوار دون أن تنقطع خيوط الاتصال. خلافاتهم حقيقية في بعض المراحل، لكنها محكومة بسقف المصالح، لا بسقف الشعارات.
لقد شهدت المنطقة لحظاتٍ بدا فيها هذا الثلاثي وكأنه في مواجهة مفتوحة، لكن الوقائع كثيرًا ما كشفت عن تداخلٍ في الأدوار، حيث يتحول التصعيد إلى أداة ضغط، لا إلى رغبة في الحسم. تُرفع نبرة العداء حين تقتضي الحاجة، وتُخفَّض حين تفرض المصالح إعادة التموضع. وكأننا أمام مشهد واحد بثلاثة ممثلين، يختلفون في الحوار، لكنهم يلتزمون بإطار القصة ذاتها.
هذا لا يعني أن التناقضات غير موجودة، بل يعني أنها مُدارة. فالتنافس بينهم يدور حول النفوذ والحصص، لا حول وجود أحدهم من عدمه. ولذلك، فإن ما يبدو صراعًا جذريًا قد يكون في جوهره خلافًا على توزيع الأدوار داخل المشهد نفسه.
الخطير في هذا الإدراك ليس في كشف طبيعة العلاقات، بل في سقوط التصورات البسيطة التي تُقدَّم للناس. فحين يُختزل المشهد في ثنائية عدو وصديق، يُحجب عن الوعي أن السياسة قد تجمع بين المتناقضين في لحظة واحدة، وأن الخصومة قد تكون غطاءً لتفاهم أعمق.
إن ما يجري في المنطقة لا يمكن قراءته إلا من خلال هذا الفهم المركّب: ثلاثي تتحرك أطرافه ضمن دائرة واحدة، يتباعد أحيانًا ويقترب أحيانًا، لكنه لا يخرج عن إطار المصالح المشتركة التي تضبط إيقاعه. وبين هذا وذاك، تبقى الشعوب هي المتلقي الأكبر لنتائج لعبة لا تُدار على مسرحها، بل خلف ستارها.