
“حين تثاقل الدم”:
في صباحٍ بدا عادياً على غير العادة، استيقظتُ على انقطاعٍ طويل لشبكة الإنترنت، ذلك الرفيق الصامت الذي صار يمسك بأصابعنا أكثر مما نمسك نحن به. كان العطل بسيطاً في ظاهره، لكنه قيّد الحركة، وأوقف سيل الاعتياد الذي اعتدناه. جلستُ أشرب قهوتي بعد النوم… دون أن يكون الهاتف في يدي، لحظة نادرة، وربما خطرة، لأنها أعادتني إليّ...
هناك، في تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب، كأن الدم الذي يسري في عروقي، من كتفيّ حتى أخمص قدميّ، لم يعد ذلك النهر المتدفق، بل صار حملاً ثقيلاً، يسير ببطء، مثقلاً بتعب السنين، وربما بقهرها، لم يكن تعبي وحدي، بل كان تعب جيلٍ كامل، جيلٍ اختلط فيه الخاص بالعام، حتى لم نعد نميز بين جرحٍ شخصي وآخر وطني...
ومن هذا الوهن، انفتح باب الذاكرة:
عدتُ إلى عام 1985… إلى تلك الأيام التي كنا نسميها أو التي شهدت “صراع الشقيقين” لم يكن صراعاً عادياً، بل كان لحظة مكشوفة من تاريخٍ ظلّ طويلاً يُدار خلف الأبواب المغلقة، حافظ ورفعت… شقيقان، لكن أحدهما كان دولة، والآخر أراد أن يكونها...
أتذكر جيداً كيف بدأ الحديث عن محاولة انقلاب، ثم كيف انتهت القصة في ظاهرها( رفعت يخرج، لكنه لا يخرج خالي الوفاض، خرج ومعه القطع الأجنبي، وسبائك الذهب من خزائن المصرف المركزي، اذ لم يكن ذلك مجرد سرقة، بل كان اقتلاعاً لركيزة من ركائز الدولة الذهب الذي كان يحدد قيمة الليرة، لم يكن مجرد معدن، بل كان ثقة بلدٍ بنفسه)...
لكن الحقيقة الأعمق كانت أبعد من ذلك، فالعملة، كما فهمت لاحقاً، لم تكن تُدار فقط بالأرقام، بل بالقرارات السياسية التي تصدر من القصر الجمهوري، أتذكر لقاءً جمعني بأحد أعضاء القيادة القطرية، حين قال لي بصراحة نادرة:
“الرئيس قرر زيادة الرواتب… رغم أن المالية تقول لا يوجد رصيد.” عندها فهمت أن الاقتصاد لم يكن علماً بقدر ما كان قراراً...
خرج رفعت، نعم… لكنه خرج بسبب أنه كان أحكم قبضته على دمشق، وهدد بحرقها إن لم يسلبها حتى النفس في عدوانية ضد سورية واهلها من قبل تلك العائلة التي لايعرف لها أصل في سورية الا ان الجميع يتفقون أنها يهودية، مع اختلاف بسيط هو أن البعض يعود بجذورهم ليهود الدونمات في تركيا والبعض الآخر يسر على أنهم من يهود الخزر الإيرانيون، رفعت يذكرنا بأفعال اللصوص، حين يفرغون من سرقة، حيث لا يجدون وسيلة لإخفاء الجريمته إلا بإحراق المكان... نعم لقد كانت العاصمة على حافة الجنون، ونحن داخلها نعيش تفاصيل ذلك التوتر الذي لا يُروى...
وقيل يومها إنه نُفي، لكن النفي كان كلمة خفيفة على رجل خرج بثروة تكفي ليعيش كأحد أباطرة هذا العصر. عاش بعيداً، آمناً، محاطاً بما نهبه من أموال السوريين، أما الليرة السورية… فلم تتعافَ منذ ذلك اليوم. كل زيادة على الرواتب كانت تعني تضخماً جديداً، وكل تضخم كان يأكل ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال...
وفي قلب ذلك الصراع، لم يدفع أيٌّ من الشقيقين الثمن الحقيقي، من دفعه كان الشعب… سورية كلها، بكل مكوناتها، بكل طبقاتها، كان الثمن موزعاً علينا بالتساوي: تعباً، وفقراً، وخيبة...
أما داخل المؤسسة، فقد كان هناك وجه آخر للقصة، حافظ الأسد، في تلك المرحلة، لم يتردد في إعدام عدد من الضباط، وإخفاء آخرين خلف “الشمس”، كما كنا نقول، كان يكفي تقرير من هنا، أو وشاية من هناك، لتتحول إلى تهمة محاولة انقلاب... والمفارقة القاسية أن الضابط الذي يشي، كان يكافأ… قد يصبح قائداً لفرقة، أو مسؤولاً أمنياً كبيراً. أتذكر اسماً من تلك المرحلة، اللواء أحمد عبد النبي، كنموذج لذلك المسار.
وفي النهاية، خرج رفعت آمناً، بينما بقيت البلاد تنزف...
تمر السنوات، وتتشابه المشاهد:
بعد أربعة عقود تقريباً، يتكرر المشهد بطريقة أخرى، بشار الأسد يخرج، ومعه عشرات الضباط، تاركاً وراءه بلداً مثقلاً بالحرب والدمار، المفارقة هنا أكثر قسوة: حافظ هو من أخرج رفعت وضمن له الأمان، أما بشار، فقد خرج في ظل ترتيبات أكثر تعقيداً، بعد أن صار له امتداد خارج الحدود، واستثمارات، وحتى جنسية أخرى، إلا من أخرجه هذه المرة ليست اي شخص من ال الأسد او اي من زمرة كانت تحميهم بل من أخرجه هو احمد الشرع شخصياً، وهنا لنا أن نضع عدة إشارات تعجب بدون اي اشارة استفهام ...
والشعب؟ بقي في مكانه… يدفع الفاتورة مرة أخرى...
لكن أكثر ما بقي عالقاً في داخلي لم يكن مشهد الخروج، بل مشهد التعب، في أحد أيام تلك الأزمة، كنت في جولة في المنطقة الجنوبية، قرب جبل الشيخ، كان المكان هادئاً على غير ما يجري في دمشق. وهناك، خطر ببالي أن أزور صديقاً حميماً، كان يرأس أحد الأجهزة الأمنية. كانت طبيعة عملنا تتقاطع، والمسؤوليات تتداخل، وكان بيننا ما يكفي من الثقة لنتحدث بصراحة...
دخلت عليه، فوجدت التعب واضحاً على وجهه، لم يكن التعب الذي يمكن إخفاؤه، بل ذلك الذي يفرض نفسه على الملامح، جلسنا نتحدث عن البلد، عن الأزمة، عن الحافة التي نقف عليها.
وفجأة، انقطع حديثه… وانتقل إلى موضوع لا علاقة له بما كنا نقول. وضع يده على رأسه، ثم خفضها، وابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
“لا تؤاخذني… هذه ليلتي الرابعة دون نوم. منذ 72 ساعة لم أذق طعم الراحة.”
ابتسمتُ بدوري، وقلت له، وكأنني أخفف عنه أو عن نفسي:
“نحن في مقتبل العمر نحمل أجسادنا جهداً مضاعفاً… وسندفع ثمنه في الأيام القادمة، إن كُتب لنا أن نعيش.”
ضحكنا يومها… لكننا لم نكن نعلم أن تلك الجملة كانت نبوءة.
اليوم، وأنا أجلس مع قهوتي، بلا هاتف، بلا ضجيج، أشعر بذلك الثمن. أشعر به في بطء الدم، في ثقل الجسد، في ذلك الإعياء الذي لا يُفسَّر بليلةٍ سيئة، بل بعقودٍ كاملة...
لقد حملنا أكثر مما يجب… ورأينا أكثر مما ينبغي… وخسرنا ما لا يُعوّض.
سورية التي أحببناها، وعملنا لها بإخلاص، لم تضِع في لحظة واحدة، بل تآكلت على مهل… قراراً بعد قرار، صراعاً بعد صراع، حتى صارت ذكرى ثقيلة في عروقنا...
ولهذا… حين تثاقل الدم اليوم، لم يكن ذلك مرضاً عابراً، بل كان ذاكرةً تمشي في الجسد.