
حين تتحوّل الثورة إلى محكمة للذاكرة
لم أكن يوماً من المدافعين عن بقاء “حكم العائلة” في سورية، بل ربما كنت من أوائل السوريين الذين جاهروا علناً، ومن على المنابر الإعلامية، بضرورة إسقاط هذا النمط من الحكم. ولم يكن مقصدي يوماً إسقاط الدولة أو هدم المجتمع، بل كنت أعني ــ بوضوح لا لبس فيه ــ إصلاحاً جذرياً يبدأ من الجذور، يمرّ في الفروع، وينتهي بالثمار. كنت أرى أن سورية تحتاج إلى إعادة بناء سياسية وأخلاقية، لا إلى استبدال استبدادٍ بآخر.
لكنني، وفي الوقت نفسه، كنت أدرك أن البديل الذي كانت تدفع إليه الأحداث ليس بالضرورة بديلاً وطنياً مدنياً، بل مشروعاً عقائدياً مغلقاً. فمنذ البدايات، كان البعد الإسلاموي في الحراك السوري واضحاً إلى درجة يراها الأعمى ويسمعها الأصم، سواء تجلّى ذلك كفعل مباشر أو كردّ فعل على عنف السلطة. ولم أخفِ يوماً موقفي من هذا الاتجاه؛ إذ لم أكن، ولن أكون، مع أي مشروع يقوم على احتكار الحقيقة باسم الدين، حتى لو قُدّر له أن يحوّل سورية إلى “سويسرا الشرق”.
كنت أفكر، رغم كل شيء، بالعودة إلى سورية. نعم، كنت مستعداً للمجازفة الأمنية، وكنت أقول لنفسي إن أقصى ما قد أواجهه هو استدعاء إلى لجنة تحقيق، أو تعهّد بالصمت، أو سؤال وجواب تحت سقف الدولة. كنت أتصور أن الخطر، مهما بلغ، يبقى محكوماً بقواعد معروفة، حتى وإن كانت قاسية.
أما اليوم، فالأمر مختلف تماماً.
اليوم نشهد ولادة نمط جديد من الاستبداد، أكثر خطورة لأنه لا يرتدي بزّة رسمية دائماً، بل يخرج من بين الناس أنفسهم. صار البعض يتحول، بلمح البصر، إلى مخبر، ثم رجل أمن، ثم ضابط عدلية، فقاضي تحقيق، فقاضي جنايات، وأخيراً جلاد ينفذ الحكم بضحكة ساخرة، وكأنه يحقق بطولة أخلاقية أو انتصاراً إلهياً.
تكفي شائعة، أو كلمة، أو صورة قديمة، أو حتى اختلاف في طريقة الكتابة، لكي تبدأ حفلات التخوين والشماتة والدعاء على “الفلان الشبيح” الذي “أُسقط بقشرة موز”. وتتحول مواقع التواصل إلى ساحات إعدام معنوي جماعي، يختلط فيها الحقد بالرغبة في الانتقام، وتُقدَّم هذه الممارسات بوصفها إنجازات تُسجَّل “لدولة المسلمين”.
الأخطر من كل ذلك ليس الانتقام السياسي بحد ذاته، بل محاولة “مسح الذاكرة”. فالمسألة لم تعد خلافاً على نظام حكم أو إدارة دولة، بل صارت محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي نفسه، وكأن المطلوب اقتلاع الماضي من جذوره.
حتى اللغة لم تسلم من هذا العبث الرمزي. كنا، نحن أبناء أجيال كاملة، نكتب كلمة “سورية” بالتاء المربوطة، فجاء من يصرّ على كتابتها بالتاء المبسوطة فقط، لا لسبب لغوي عميق، بل لأنها ارتبطت ــ في ذهنه ــ بالعهد السابق. وهكذا تصبح طريقة كتابة اسم الوطن معياراً للولاء السياسي، وتتحول اللغة نفسها إلى أداة فرز وإقصاء.
أي وطن هذا الذي يُطلب من أبنائه أن ينسوا ذاكرتهم كي يُسمح لهم بالانتماء إليه؟
كيف يمكن لإنسان أن يعود إلى بلدٍ صار الحقد الأسود فيه لغة يومية، وصار خطاب الكراهية يُقال علناً على مرأى ومسمع الجميع، من دون أن تتحرك الجهات المعنية لوضع حدّ لهذا الانحدار الأخلاقي؟
إن أخطر ما يصيب الأوطان ليس الدمار المادي، بل انهيار المعنى الأخلاقي لفكرة الوطن نفسها. فعندما يشعر المواطن أن المطلوب منه ليس فقط تغيير رأيه السياسي، بل التبرؤ من تاريخه، ومن ذاكرته، ومن طريقته في الكلام والكتابة والتفكير، يصبح الوطن سجناً للروح لا مكاناً للانتماء.
لهذا كله، اتخذت قراري: لن أعود.
ليس لأنني لا أحب سورية، بل لأنني أحبها أكثر مما يحتمل هذا الخراب النفسي. أحبها بكل جوارحي، وأتمنى لأهلها حياة كريمة هادئة، لكن ما يجري اليوم يؤكد أن هناك من لا يريد المصالحة، ولا يريد بناء دولة تتسع للجميع، بل يريد إعادة إنتاج الإقصاء بلون مختلف وشعارات مختلفة.
إن الأوطان لا تُبنى بالثأر، ولا تُدار بالأحقاد، ولا تستقيم حين تتحول السياسة إلى محاكم تفتيش يومية. وما لم يدرك السوريون أن المستقبل لا يمكن أن يقوم على اجتثاث نصف المجتمع، فإنهم سيكتشفون، بعد سنوات طويلة من الألم، أنهم لم يهدموا نظاماً فقط، بل هدموا فكرة الوطن ذاتها.