
حين تتحول الأوطان إلى ساحات صراع: بين أطماع القوى وقسوة الواقع العرب.
لم تعد المأساة في منطقتنا مجرد صراع بين أطراف متنازعة، بل تحوّلت إلى مشهد مركب تتداخل فيه الطموحات التوسعية مع الحسابات الجيوسياسية، حتى باتت دول مثل و و و ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، أكثر منها أوطانًا لأهلها.
ما شهدته هذه البلدان خلال السنوات الماضية لا يمكن اختزاله في عناوين سياسية أو عسكرية، بل هو انهيار متدرج للبنية الوطنية، حيث دُفعت الشعوب إلى دفع أثمان باهظة نتيجة صراعات لا تمثل مصالحها الحقيقية. تعددت الأطراف، وتباينت الشعارات، لكن النتيجة بقيت واحدة: تآكل الدولة، وتمزق المجتمع، واستنزاف الإنسان.
وفي خضم هذا المشهد، تتكشف حقيقة مُرّة مفادها أن القوى التي تقدم نفسها كحلفاء أو داعمين، قد تكون في جوهرها جزءًا من المشكلة لا من الحل. فالتاريخ القريب يبيّن أن التدخلات الخارجية، مهما اختلفت ذرائعها، غالبًا ما تنتهي بتكريس النفوذ وتعميق الانقسام، لا ببناء الاستقرار أو حماية الشعوب.
اليوم، ومع اتساع رقعة التوتر لتطال محيط ، يزداد القلق من انتقال الصراعات إلى مستويات أكثر خطورة. هذه الدول، التي شكلت على مدى عقود ملاذًا اقتصاديًا واجتماعيًا لملايين العرب، تجد نفسها أمام تحديات أمنية وسياسية متصاعدة، في ظل بيئة إقليمية مضطربة لا تعترف بالحدود ولا بالثوابت.
المعضلة الأساسية تكمن في أن الصراع لم يعد بين طرف “خَيّر” وآخر “شرير”، بل بين قوى تتقاطع مصالحها على حساب الشعوب. كل طرف يسعى إلى تثبيت نفوذه، ولو كان الثمن مزيدًا من الخراب. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: حين يصبح الإنسان العربي مجرد رقم في معادلة القوة، لا قيمة له إلا بقدر ما يخدم أجندات الآخرين.
إن إدراك هذه الحقيقة لا يعني الاستسلام، بل هو الخطوة الأولى نحو إعادة تعريف المصلحة العربية بعيدًا عن الاستقطابات الحادة. فالمستقبل لن يُبنى عبر الارتهان لأي قوة خارجية، بل من خلال وعي جماعي يرفض أن تكون الأوطان مسارح لصراعات الآخرين.
في النهاية، ما نعيشه ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكمات سياسية يمكن تغيير مسارها. غير أن ذلك يتطلب شجاعة في الموقف، ووضوحًا في الرؤية، وإرادة حقيقية تضع الإنسان قبل الجغرافيا، والوطن قبل النفوذ.