
حين تتحول الدبلوماسية إلى سوقٍ مفتوح: المفاوضات الإيرانية – الأمريكية بين التناقض والتجريد من المعنى...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
لم يعد المشهد بين طرفي الصراع ( الإيراني – الأمريكي ) قابلاً للقراءة وفق القواعد التقليدية التي عرفناها تاريخياً في إدارة النزاعات أو في هندسة المفاوضات بين القوى المتصارعة. فكل ما تعلّمناه، أو راكمته التجارب السياسية عبر عقود من الحروب الباردة والساخنة، يبدو اليوم وكأنه يُختبر على نحوٍ عكسي، بل ويتم تفكيكه أمام أعيننا دون قواعد ثابتة أو سقف واضح للخطاب.
نحن نعرف " بفضل الدراسة وبحكم الخبرة التاريخية " أن المفاوضات لا تُبنى على حسن النوايا، بل على مزيج من التضليل والمناورة والضغط. ونعرف أيضاً أن كثيراً من جولات التفاوض الحاسمة في تاريخ النزاعات الكبرى كانت تجري تحت ظل النار، حيث يكون ميزان القوة هو اللغة الحقيقية، فيما تبقى الكلمات مجرد غطاءٍ لتثبيت ما فُرض على الأرض...
ونعرف كذلك أن المنتصر، حين يكون انتصاره واضحاً وحاسماً، لا يفاوض بالمعنى التقليدي، بل يميل إلى إملاء الشروط وتثبيت الوقائع...
لكن ما يجري اليوم بين واشنطن وطهران يبدو وكأنه خروجٌ حتى على هذه "القواعد غير الأخلاقية" التي استقرت في علم السياسة الواقعي. فالتصريحات المتناقضة، والتكذيب المتبادل الذي لا يكتفي بالنفي بل يصل إلى حدّ تقويض سردية الطرف الآخر بالكامل، لم يعد مجرد جزء من لعبة تفاوضية معقدة، بل أصبح في كثير من الأحيان مادة استهلاك يومي فاقدة للجدية...
لقد تحوّل الخطاب إلى حالة من التشويش المتعمد، حيث يُقال شيء صباحاً ويُنسف مساءً، ويُعلن موقف ثم يُمحى في اليوم التالي دون أي كلفة سياسية أو حتى معنوية تُذكر، والأسوأ من ذلك أن هذا النمط من "التفاوض الإعلامي" لم يعد يثير الاهتمام بقدر ما يثير السأم، حتى المتابعون الذين كانوا يرون في هذا الملف أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية وتشابكاً، بدأوا ينصرفون تدريجياً، وكأنهم أمام مشهد فقد قدرته على الإقناع أو حتى إثارة الفضول...
المشكلة لا تكمن فقط في التناقض، بل في ابتذال التناقض ذاته، حين يتحول إلى أسلوب دائم لا استثناء فيه، وحين تفقد السياسة حدها الأدنى من الجدية، تصبح أقرب إلى مسرحية تُعاد بلا نصّ ثابت ولا نهاية واضحة..ظ
وفي هذا السياق، يبدو أن ما يُنسب إلى منطق " الصفقة " في معظم بل كل المقاربات الأمريكية في ظل الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة "ترامب" فقد ساهم في دفع هذا المسار نحو تحويل السياسة إلى ما يشبه السوق المفتوح، بل لي أن اسفه بسوق " النخاسة " السياسية، سوق لا تحكمه قواعد دبلوماسية راسخة، بل منطق الربح والخسارة السريعة، حيث تُختزل الملفات الاستراتيجية الكبرى إلى عروض وشروط قابلة للتعديل الفوري، وكأننا أمام تفاوض على سلعة لا على توازنات إقليمية ودولية شديدة التعقيد...
إن أخطر ما في هذا التحول ليس فقط أنه يربك التحليل السياسي، بل أنه يفرغ مفهوم المفاوضات ذاته من محتواه، فبدلاً من أن تكون أداة لإدارة الصراع أو احتوائه، تتحول إلى جزء من فوضى الصراع نفسه، حيث يصبح الكلام جزءاً من المعركة لا جسراً لإنهائها...
وهكذا، نحن أمام مشهد غير مألوف:
لا حرب محسومة، ولا سلام واضح، ولا تفاوض يمكن الوثوق بإيقاعه أو نتائجه، بل حالة مستمرة من الضجيج السياسي الذي فقد قدرته على الإقناع، وتحول إلى مادة استهلاك يومي، أقرب إلى الابتذال منه إلى الدبلوماسية...
وفي النهاية:
ربما لا يكون السؤال الأهم:
- ماذا تريد واشنطن أو طهران؟..
بل:
- هل ما زالت المفاوضات نفسها تحتفظ بمعناها في زمن تُدار فيه السياسة بمنطق السوق والرسائل المتناقضة والضجيج المستمر؟