
حين تتحول الفوضى إلى (ثورة): قراءة في عسكرة وأسلمة الخراب السوري...
في مذكراته عن أحداث عام ٢٠١٣ في الرقة، يروي الكاتب ماهر حميد حادثة تبدو في ظاهرها ساخرة، لكنها في حقيقتها تكشف جانبًا مأساويًا من التحولات التي شهدتها سورية خلال سنوات الحرب. ففي غضون ساعات قليلة من سقوط مدينة الرقة بيد مجموعات مسلحة، انهارت مؤسسات الدولة، واعتُقل المحافظ وأمين فرع الحزب، وسادت حالة من الفوضى الشاملة، لم يكن ما جرى مجرد انتقال للسلطة، بل تفكك كامل للنظام الاجتماعي والإداري الذي كان ينظم حياة المدينة...
في تلك اللحظة، ظهرت ظاهرة يمكن وصفها بـ (تضخم الميليشيات)، حيث بات كل شخص قادرًا على جمع بضعة شبان وتشكيل (لواء) أو (كتيبة)، وغالبًا ما تُختار أسماء ذات طابع ديني أو تاريخي لإضفاء شرعية رمزية، القصة التي يرويها الكاتب عن بائع دخان قرر فجأة تشكيل لواء باسم أحد (الصحابة) تكشف مفارقة مؤلمة، استخدام الدين كشعار في سياق يغلب عليه الجهل والانتهازية،فاللواء الذي سُمّي بداية “عنترة بن شداد” ظن صاحبه أنه من الصحابة، ثم تغيّر الاسم مرات عدة لأن أسماء (الصحابة) الأخرى كانت (محجوزة) من قبل مجموعات مسلحة أخرى. وفي النهاية، اتضح حتى الاسم الأخير مكتوبًا خطأ...
هذه الحكاية الساخرة تختصر ظاهرة أوسع وهي أسلمة الفوضى، فالكثير من الجماعات التي ظهرت في تلك المرحلة رفعت شعارات دينية كبرى – إقامة الشريعة، الجهاد، تحرير الأمة – بينما كانت ممارساتها اليومية تدور حول نهب المؤسسات العامة، الاستيلاء على الممتلكات، وفرض الإتاوات...
بعد انهيار السلطة المحلية في الرقة وغيرها من المدن، تعرضت المؤسسات العامة لعمليات نهب واسعة، المتاحف، البنوك، مستودعات الدولة، وحتى البنية التحتية مثل أسلاك الكهرباء والمعدات الصناعية، أصبحت هدفًا للنهب بحجة تمويل (المعركة)...
لكن الواقع أن كثيرًا من هذه العمليات لم يكن مرتبطًا بأي مشروع سياسي أو عسكري حقيقي، بل كان اقتصاد حرب بدائيًا يقوم على بيع ممتلكات الدولة في السوق السوداء...
لم يكن الأمر يقتصر على الرقة، فقد شهدت مناطق عدة من سورية تفكيك المصانع وسرقة الآلات وتهريبها عبر الحدود، كما تعرضت مواقع أثرية لعمليات تنقيب عشوائي وسرقة منظمة للآثار. بذلك لم يكن الدمار مقتصرًا على الحاضر، بل طال التاريخ والجغرافيا والذاكرة الحضارية...
من أخطر التحولات التي شهدتها سورية خلال تلك المرحلة تحويل المجتمع إلى مجتمع ميليشيوي.
فمع انتشار السلاح وغياب المؤسسات، صار الانتماء إلى كتيبة أو لواء هو الطريق الأسرع للحصول على النفوذ والموارد، فقد تحولت البنادق إلى وسيلة للسلطة الاجتماعية، وأصبحت الهوية العسكرية بديلًا عن الهوية المدنية...
هذا التحول أنتج بيئة مثالية للصراعات الداخلية، فالكثير من الفصائل التي تشكلت تحت شعار واحد سرعان ما دخلت في اقتتال داخلي على النفوذ والموارد، أو حتى على أسماء الكتائب والرموز الدينية التي تمنح شرعية رمزية...
للعلم فإن استخدام أسماء الصحابة والشعارات الإسلامية لم يكن مجرد تفصيل لغوي، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع لتعبئة المقاتلين وإضفاء قداسة على الصراع، لكن المفارقة أن هذه الرمزية الدينية كثيرًا ما كانت منفصلة عن المعرفة الدينية أو السلوك الأخلاقي، فالممارسات على الأرض – من النهب إلى الابتزاز وفرض الإتاوات – كانت بعيدة كل البعد عن القيم التي يُفترض أن تمثلها تلك الرموز...
من رحم هذه البيئة كان مزيج من الفوضى، العسكرة، والأسلمة الشعاراتية، لتفتح الطريق أمام صعود جماعات جهادية أكثر تنظيمًا، فمع انهيار البنية الاجتماعية وانتشار السلاح، استطاعت تنظيمات ذات جذور متشددة أن تفرض نفسها كقوة منظمة مقارنة بالفوضى المحيطة...
في الرقة نفسها، تحولت المدينة لاحقًا إلى معقل لتنظيمات جهادية عابرة للحدود، استغلت الفوضى المحلية لتبني مشروعًا أيديولوجيًا أكثر تشددًا. وقد جاء هذا الصعود ضمن سياق إقليمي ودولي معقد، حيث لعبت التدخلات الخارجية، بما فيها سياسات القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة، دورًا في تشكيل مسار الصراع السوري وتعقيده...
الخلاصة:
القصة التي تبدو في ظاهرها نكتة سوداء عن بائع دخان يؤسس (لواءً) باسم صحابي، هي في الواقع مرآة لمرحلة كاملة من الانهيار، مرحلة اختلطت فيها الشعارات الدينية بالمصالح الشخصية، وتحولت الثورة إلى سوق للسلاح والرموز، وتراجعت القيم المدنية أمام منطق الميليشيا...
اخوتي :
لقد دفعت سورية ثمنًا باهظًا لهذه التحولات فكان:
- تدمير البنية التحتية والمؤسسات...
- تفكك المجتمع وانتشار اقتصاد الحرب...
- ضياع أجزاء من التراث التاريخي...
- صعود جماعات جهادية متطرفة...
وهكذا، بدل أن يكون التغيير بوابة لإصلاح الدولة، تحولت البلاد إلى ساحة صراع معقدة، حيث اختلطت الأجندات المحلية والإقليمية والدولية، ووجد السوريون أنفسهم بين فوضى السلاح، وشعارات الدين، وتدخلات الخارج.