--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تتحول الحقوق إلى مساومة… يبدأ الانحدار

Salah Kirata • ٢٩‏/٣‏/٢٠٢٦

17098.png

 حين تتحول الحقوق إلى مساومة… يبدأ الانحدار؛

ليست كل الأفكار المطروحة في المجال العام جديرة بأن تُعامل كوجهات نظر قابلة للأخذ والرد. هناك حدود فاصلة بين الرأي، وبين ما يشكّل تهديدًا مباشرًا لأسس المجتمع نفسه. حين يُطرح مشروع يعيد الإنسان إلى الوراء، ويقترح إحياء أنماط من القوانين التي عفا عليها الزمن، فنحن لا نقف أمام اختلاف فكري عادي، بل أمام محاولة تقويض ما راكمته البشرية من تجارب مؤلمة ودروس قاسية.

التاريخ لم يكن رحلة عبثية. هو مسار طويل من الصراع ضد الظلم، ومحاولات مستمرة لانتزاع الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. لذلك، فإن أي دعوة للارتداد عن هذه المكاسب، تحت شعارات براقة مثل “الأصالة” أو “العودة للجذور”، هي في حقيقتها إنكار لهذا المسار، وتجاهل متعمّد لثمن باهظ دفعته المجتمعات كي تصل إلى ما هي عليه اليوم.

الدول الحديثة لم تترك هذه المسائل مفتوحة بلا ضوابط. هناك إدراك واضح بأن الحرية لا تعني السماح بإلغائها. ولهذا، لا يُنظر إلى كل طرح على أنه مشروع سياسي مشروع. حين يتعارض أي توجه مع المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني، يتم رفضه، لا لأنه غير شعبي، بل لأنه يهدد القاعدة التي يقوم عليها التعايش نفسه. لا يمكن مثلًا قبول خطاب يدعو إلى سلب الناس حقوقهم الأساسية، لأن تلك الحقوق ليست موضوع نقاش، بل هي الأساس الذي يجعل النقاش ممكنًا أصلاً.

من هنا، يصبح من العبث التعامل مع دعوات تبرر التمييز، أو تشرعن السيطرة على الأفراد، أو تنتقص من أهليتهم، وكأنها مجرد “آراء”. هذه ليست أفكارًا قابلة للتداول، بل مشاريع لإعادة إنتاج أنظمة القمع بصيغ جديدة. والمشكلة لا تكمن فقط في طرحها، بل في تطبيعها وإدخالها إلى دائرة الجدل العام، وكأنها خيار بين خيارات.

الأخطر أن هذه الطروحات غالبًا ما تتناقض حتى مع المرجعيات القانونية التي يدّعي أصحابها الالتزام بها. لا يمكن الحديث عن دستور يضمن الحقوق، وفي الوقت نفسه الدفع نحو ممارسات تُفرغ هذه الضمانات من معناها. هذا التناقض ليس تفصيلاً، بل دليل على غياب رؤية حقيقية للدولة، واستبدالها بمنطق انتقائي يستخدم القانون حين يخدمه، ويتجاوزه حين يعوقه.

إن تحويل الحقوق الأساسية إلى مادة تفاوض هو بداية الانهيار، لا مجرد انحراف عابر. المجتمعات التي تسمح بذلك تضع نفسها على طريق خطير، حيث يصبح كل شيء قابلاً للتراجع، وكل مكتسب عرضة للمصادرة. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: من سيخسر؟ بل متى سيشمل الخسارة الجميع.

التاريخ لا يكرر نفسه صدفة، بل حين يُصرّ البعض على تجاهل دروسه. وما يُقدَّم اليوم بوصفه “عودة إلى الأصل”، ليس إلا عودة إلى دائرة الفشل ذاتها، التي خرجت منها البشرية بشق الأنفس.