--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تتحول القوة إلى عبء: المعضلة الأمريكية في ميزان التاريخ

Salah Kirata • ٢‏/٦‏/٢٠٢٦

41961.png

حين تتحول القوة إلى عبء:
 المعضلة الأمريكية في ميزان التاريخ...

على امتداد التاريخ، نادراً ما سقطت الإمبراطوريات لأنها كانت ضعيفة، المفارقة أن كثيراً من القوى العظمى وصلت إلى لحظة الانحدار وهي في ذروة نفوذها، بعدما تحولت عناصر تفوقها إلى أعباء تثقل حركتها وتستنزف مواردها، وهذه الحقيقة التاريخية تفرض نفسها اليوم عند قراءة المشهد الأمريكي بعيداً عن المبالغات التي تهيمن على النقاش السياسي والإعلامي...

هناك من ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها قوة لا يمكن تحديها، وكأنها خارج قوانين التاريخ. وفي المقابل، هناك من يتعامل معها باعتبارها كياناً هشاً يمكن إسقاطه بالشعارات والانفعالات، وبين هذين التصورين المتناقضين تضيع الرؤية الواقعية... فالولايات المتحدة ما زالت القوة الأكبر عالمياً من حيث الاقتصاد والتكنولوجيا والقدرات العسكرية وشبكات التحالف، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات بنيوية لا يمكن تجاهلها...

أحد أبرز هذه التحديات يتمثل في العلاقة المعقدة بين التفوق التكنولوجي والكفاءة الاستراتيجية، فقد دفعت العقود الأخيرة المؤسسة العسكرية الأمريكية نحو تطوير منظومات قتالية بالغة التعقيد والكلفة، حتى أصبحت بعض الأسلحة الحديثة تتطلب موارد ضخمة للإنتاج والتشغيل والصيانة، ومع أن هذه المنظومات تمنح واشنطن تفوقاً نوعياً هائلاً، فإنها تثير سؤالاً جوهرياً:
- هل يبقى السلاح الأكثر تطوراً هو الأكثر فاعلية في كل أنواع الحروب؟

التاريخ العسكري يقدم أمثلة عديدة على أن التفوق التقني وحده لا يكفي لتحقيق النصر، ففي بعض الصراعات الكبرى كانت القدرة على الإنتاج المستمر وتحمل الاستنزاف عاملاً حاسماً يفوق أهمية امتلاك السلاح الأفضل، وعندما تصبح تكلفة الوسائل القتالية مرتفعة إلى حد كبير، فإن الخصم قد يجد فرصة لتعويض الفجوة التقنية عبر استراتيجيات أقل كلفة وأكثر قدرة على الاستمرار...

هذا التحدي يبرز بوضوح في الحروب غير التقليدية والصراعات الممتدة زمنياً، فالقدرة على إسقاط الأنظمة أو توجيه ضربات دقيقة لا تعني بالضرورة القدرة على فرض نتائج سياسية مستقرة، وقد أظهرت تجارب عديدة أن النجاح العسكري السريع لا يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، خصوصاً عندما يتحول الصراع إلى معركة استنزاف مفتوحة...

ومن هنا تبدو المعضلة الأمريكية أكثر تعقيداً مما يظنه أنصار القوة المطلقة أو دعاة الانهيار الوشيك. فالمشكلة ليست في ضعف القدرات الأمريكية، بل في ارتفاع كلفة توظيف هذه القدرات واستدامتها، وكلما ازدادت الحاجة إلى أدوات أكثر تطوراً وتعقيداً، ارتفع معها حجم الموارد المطلوبة للحفاظ على التفوق نفسه...

وفي المقابل، تتطور لدى الخصوم مقاربات مختلفة تقوم على استنزاف القوة الكبرى بدلاً من مواجهتها وجهاً لوجه. فالفارق الهائل في الكلفة بين بعض الوسائل الهجومية الرخيصة ومنظومات الدفاع الباهظة يفرض معادلات جديدة لم تكن مطروحة بالشكل ذاته في العقود السابقة. ومع مرور الوقت يصبح السؤال متعلقاً بقدرة القوة العظمى على تحمل الاستنزاف أكثر من قدرتها على إيقاع الضرر بخصومها...

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الولايات المتحدة لا يكمن في وجود منافس قادر على إزاحتها دفعة واحدة، بل في احتمال تراكم الضغوط والتكاليف التي تجعل المحافظة على مستوى الهيمنة الحالي أكثر صعوبة من ذي قبل، وهذه ليست ظاهرة جديدة في التاريخ، بل نمط تكرر بأشكال مختلفة لدى قوى كبرى اعتقدت أن تفوقها يمنحها حصانة دائمة...

لذلك فإن قراءة المستقبل لا تستدعي التقليل من حجم القوة الأمريكية، كما لا تبرر التعامل معها باعتبارها قدراً لا يتغير، فالتاريخ يعلمنا أن النفوذ العالمي لا يُقاس فقط بما تمتلكه الدول من أدوات القوة، بل أيضاً بقدرتها على إدارة تلك القوة بكفاءة ومنعها من التحول إلى عبء على أصحابها...

وفي النهاية:
قد لا تتكرر الوقائع التاريخية بحذافيرها، لكن آليات الصعود والتراجع تكاد تحتفظ بمنطقها ذاته. وعندما تعجز الإمبراطوريات عن موازنة قوتها مع كلفة استخدامها، تبدأ أولى إشارات التحول بالظهور، حتى وإن بدت في نظر الكثيرين بعيدة عن متناول الزمن.