--:--
الأمم المتحدة ترحب بتعاون سوريا مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وسط تقدم في ملفات التفتيش والإفصاح #عاجل | التلفزيون الأيرلندي: الحكومة الأيرلندية تمنع بن غفير وسموتريتش من دخول البلاد وتصدر قرارا بحظر السفر بحقهما زيلينسكي يوجه رسالة إلى بوتين يقترح فيها وقفاً شاملاً لإطلاق النار ولقاءً مباشراً بينهما، مؤكداً استعداد أوكرانيا للسلام مع استمرار القتال إذا رفضت روسيا، مع طرح دور أمريكي في المراقبة. الاتحاد الأورو وول ستريت جورنال: روسيا تعيد تنظيم وجودها العسكري في سوريا عبر إمداد قواعد حميميم وطرطوس، في مؤشر على تثبيت حضورها الاستراتيجي رغم تغير المشهد السياسي في دمشق وتقليص الوجود العلني. بوتين يتبنى مقترحات ترمب للسلام وزيلينسكي يدعو إلى لقاء مباشر.. مؤشرات جديدة على اقتراب تسوية الحرب الأوكرانية تسريبات غير مؤكدة حول تحركات دبلوماسية سورية–أمريكية–أوروبية واسعة تشمل واشنطن ودمشق وتفاهمات إقليمي

حين تتحول الشعارات إلى جغرافيا مشتعلة: قراءة في مخاطر " لست شجرة" بين الرمز السياسي وحدود الواقع

Salah Kirata • ٥‏/٦‏/٢٠٢٦

حين تتحول الشعارات إلى جغرافيا مشتعلة:
 قراءة في مخاطر " لست شجرة"  بين الرمز السياسي وحدود الواقع                               

              "غزة وإدلب"
 كنموذج تحذيري على هشاشة الجغرافيا السورية الواحدة:

43356.png

بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

في لحظات التوتر السياسي والاجتماعي، لا تولد الشعارات من فراغ، بل تُنتَج عادةً كصرخة رمزية تعكس شعوراً بالضغط أو الرغبة في التعبير عن الرفض، غير أن خطورة بعض الشعارات لا تكمن في نيتها الأولى، بل في ما يمكن أن تُنتجه من تأويلات، وما قد تفتحه من مسارات سياسية وأمنية لا تُحمد عقباها. ومن هذا الباب يمكن قراءة شعار “لست شجرة” بوصفه ليس مجرد تعبير لغوي، بل كمدخل لتصور سياسي قد يحمل في داخله بذور انزلاق خطير إذا ما تم تحويله من رمز إلى مشروع سلوك جمعي...
لذا:
فإن أي خطاب يُبنى على فكرة "رفض التثبيت في الأرض" أو "نفي الانتماء المكاني القسري" قد يبدو في ظاهره تعبيراً عن حرية الحركة أو الاعتراض، لكنه في سياقات دول هشة أو مثقلة بالصراع، يمكن أن يُعاد إنتاجه سياسياً على نحو مختلف تماماً: 
" من رمز احتجاجي إلى منطق تفكيك جغرافي، ومن تعبير فردي إلى تصور جماعي قابل لإعادة رسم الخرائط الاجتماعية داخل الدولة"...

وهنا تحديداً تصبح المقارنة مع بعض التجارب القريبة أكثر إضاءة، بل وأكثر خطورة في الدلالة، ففي حالتي غزة وإدلب، لم تعد الجغرافيا مجرد مساحة سكن أو إطاراً إدارياً للدولة، بل تحولت بفعل الصراع وتراكم الانقسام إلى فضاءات شبه منفصلة، لكل منها منطقها الأمني والسياسي والاقتصادي الخاص...

في غزة:
 أدى الحصار وتراكم الصراع إلى تشكل واقع مغلق تتداخل فيه السياسة بالأمن بالحياة اليومية، حتى غدت الحركة نفسها مشروطة ومحدودة ومحمّلة بكلفة عالية، وتحوّل المكان من فضاء حياة طبيعي إلى مجال ضغط دائم يعيد إنتاج الانقسام ويُقيد الأفق، وبالتالي فإن طرح هذه الفكرة المشبوهة ترشح جيش النظام الحالي ليكون مكافئا لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وكذا تفترض سلفا أن السوريون الذين سيحاصرون، كما لو أنهم سكان غزة في ظل الاحتلال

وفي إدلب:
 أنتجت سنوات الحرب وتعدد مراكز القوى واقعاً إدارياً وأمنياً متشابكاً، نشأت فيه سلطات أمر واقع وشبكات نفوذ محلية وإقليمية، أعادت تعريف العلاقة بين المركز والهامش، وبين الدولة والجغرافيا، حتى باتت الحدود الداخلية أكثر حضوراً من الحدود الخارجية في حياة الناس اليومية، مما أدى لجهة النتيجة لما حدث من صعود وسقوط مريبان سمي تحريرا، اقصد أن ادلب ضاقت على هيئة تحرير الشام ومن دار في فلكها من تنظيمات معارضة مسلحة جهادية ليكسروا حدود المحافظة ليحصل ما حصل خلال عشرة أيام...

ليست المقارنة هنا من باب التشبيه المباشر، بل من باب التحذير من المسار ذاته حين يبدأ فكرياً قبل أن يتجسد ميدانياً، فالشعارات، حين تُنزع من سياقها الرمزي وتتحول إلى منطق عام قابل للتعميم، قد تساهم " من حيث لا يقصد أصحابها" في تهيئة الأرضية النفسية والسياسية لتقبل فكرة الانقسام الجغرافي أو التمايز السلطوي داخل الجغرافيا الواحدة...

ومن هنا تظهر الإشكالية العميقة:
 فحين يُطرح شعار مثل “لست شجرة” خارج حدوده التعبيرية، ويتحول إلى حالة انتشار تُقرأ سياسياً، فإنه قد يُستدرج إلى مسارين شديدي الحساسية...

المسار الأول:
 هو مسار " التجميع القسري للهوية في بقعة مغلقة "، حيث تتحول بعض المناطق إلى جيوب محاصرة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، بما يخلق واقعاً شبيهاً بحالات الحصار الطويل في مناطق النزاع، حيث تتآكل قدرة السكان على الحركة والتفاعل الطبيعي مع محيطهم، وتُختزل الجغرافيا إلى فضاء مغلق قابل للاشتعال في أي لحظة، وفي مثل هذه البيئات، لا تعود الشعارات مجرد تعبير، بل تتحول إلى جزء من معادلة صراع مفتوحة على احتمالات الانفجار...

أما المسار الثاني:
فهو أخطر من حيث التراكم البطيء: إذ يقود إلى نشوء "سلطات أمر واقع" داخل الجغرافيا المتأثرة، تُدير الحياة اليومية بمعزل عن المركز، وتبني شبكات مصالح وعلاقات وتوازنات داخلية وخارجية، ومع مرور الزمن تتحول هذه البنى إلى كيانات شبه مستقلة، حتى وإن لم تُعلن ذلك صراحة. والتجارب الإقليمية في السنوات الماضية، من غزة إلى إدلب، تقدم نموذجاً واضحاً على كيف يمكن للضرورة الأمنية والعسكرية أن تتحول تدريجياً إلى بنية سياسية موازية يصعب تفكيكها لاحقاً...

من هنا لا يتعلق النقاش بالشعار ذاته بقدر ما يتعلق بما يمكن أن يُحمَّل عليه، فالشعارات في البيئات المتوترة ليست بريئة بالكامل، لأنها تتحول بسرعة من لغة رمزية إلى أدوات تعبئة، ومن مساحة تعبير إلى وقود سياسي، وفي الدول التي تعيش حساسية في وحدتها الداخلية، يصبح أي خطاب قابل للتأويل الجغرافي أو التفكيكي موضوعاً يحتاج إلى أقصى درجات الحذر، لأن الانزلاق من الرمزي إلى الواقعي لا يحتاج سوى لحظة سوء تقدير...

عموماً:
نحن حين ننبري للدفاع عن وحدة الجغرافيا الاجتماعية والسياسية، فهذا لا يعني بالضرورة قمع التعبير، لكنه يعني أيضاً لفت الانتباه إلى أن بعض أشكال التعبير قد تُنتج عكس ما تقصده، فتتحول من رسالة احتجاج إلى مسار تفكيك غير مقصود، وفي هذا السياق، تصبح المسؤولية الأخلاقية والسياسية مشتركة:
" مسؤولية من يطلق الشعار، ومن يتداوله، ومن يمنحه تأويلاً يتجاوز حدوده الأصلية"...

في النهاية:
ليست القضية في “الشجرة” كرمز، بل في ما إذا كنا نريد أن تتحول الرموز إلى جسور للحوار، أم إلى مسارات جانبية تُسحب إليها الجغرافيا نحو مزيد من الانقسام، والتاريخ القريب في المنطقة يثبت أن الشعارات حين تُترك بلا ضبط في بيئات ملتهبة، قد تتحول من كلمات إلى وقائع، ومن معنى إلى كلفة بشرية وسياسية باهظة...

وحينها فقط، لا يعود السؤال عن الشعار نفسه، بل عن الثمن الذي دُفع باسم تأويله، وعن مصير فكرة " سورية الواحدة أرضاً وشعباً"حين تُختبر بين ضغط الواقع وإغراءات التفكيك الرمزي قبل الجغرافي.