
حين تتقاطع المصالح في الظل: من بغداد إلى دمشق… دروس السياسة التي لا تُقال:
في تسريب صوتي أثار كثيراً من الجدل في الأوساط السياسية، تحدث وزير الخارجية الإيراني الأسبق عن واقعة لافتة تتعلق بالعلاقة المعقدة بين طهران وواشنطن. ففي التسجيل المنسوب إليه، يشير ظريف إلى أن وزير الخارجية الأمريكي السابق أبلغه في مرحلة سابقة بمواعيد عدد من الضربات الجوية التي نفذتها إسرائيل ضد أهداف داخل سوريا. هذه الإشارة، إن صحت في سياقها الكامل، تكشف جانباً من طبيعة التداخل غير المعلن بين قوى تبدو في العلن متخاصمة، لكنها في الواقع تتحرك أحياناً ضمن شبكة من المصالح المتقاطعة.
هذا النوع من الوقائع يعيد فتح ملف العلاقة المعقدة بين إيران والولايات المتحدة منذ بداية القرن الحادي والعشرين، وتحديداً منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. ففي تلك اللحظة المفصلية من تاريخ المنطقة، انهارت الدولة العراقية تحت ضربات التحالف الذي قادته واشنطن في عهد الرئيس الأمريكي ، وانتهى الأمر بتفكيك الجيش العراقي وإعادة تشكيل النظام السياسي بالكامل. في تلك الفوضى التي أعقبت سقوط بغداد، وجدت إيران فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذها في بلد كان لعقود أحد أهم موازين القوة في المشرق.
لم يكن المشهد بسيطاً أو خطياً. فبينما كانت طهران ترفع شعارات المواجهة مع الولايات المتحدة، كانت الوقائع على الأرض تشير إلى وجود مساحات من التقاطع الموضوعي في المصالح. فالقضاء على النظام العراقي السابق بقيادة أزال خصماً إقليمياً تقليدياً لإيران، وفتح الباب أمام صعود قوى سياسية عراقية ترتبط معها بعلاقات وثيقة. وهكذا تشكلت خلال سنوات قليلة شبكة من القوى المسلحة والتنظيمات السياسية التي أصبحت جزءاً من المعادلة العراقية الجديدة.
في الوقت نفسه، كانت إسرائيل تراقب التحولات الإقليمية من زاوية مختلفة. فالفوضى التي أعقبت سقوط بغداد، ثم الحرب الأهلية السورية بعد عام 2011، أعادت رسم التوازنات الأمنية في المنطقة. ومع توسع الحضور الإيراني في سوريا عبر الحرس الثوري والميليشيات المتحالفة معه، بدأت إسرائيل تنفيذ سلسلة طويلة من الضربات الجوية داخل الأراضي السورية بهدف منع تثبيت بنية عسكرية إيرانية قرب حدودها.
هنا تظهر مفارقة السياسة الدولية: فالمشهد لا يقوم دائماً على خطوط صراع واضحة بين معسكرين متقابلين. أحياناً تتحرك القوى الكبرى ضمن توازنات أكثر تعقيداً، حيث يمكن أن تتقاطع المصالح الأمنية حتى بين أطراف تعلن العداء في خطابها السياسي. ولذلك فإن أي معلومة تتعلق بتبادل معطيات أو تنسيق غير مباشر، مثل ما أشار إليه ظريف في تسريبه، تصبح جزءاً من صورة أكبر تتعلق بطبيعة العلاقات الواقعية بين الدول.
لكن ما حدث في العراق بعد 2003 يقدم درساً آخر أكثر عمقاً. فالتدخلات الخارجية، مهما كانت أهدافها، غالباً ما تطلق ديناميات يصعب السيطرة عليها لاحقاً. فالفوضى التي رافقت انهيار مؤسسات الدولة العراقية سمحت بظهور ميليشيات مسلحة، وتغذية الانقسامات الطائفية، وخلق بيئة إقليمية مضطربة امتدت آثارها إلى سوريا ولبنان واليمن.
ومع مرور السنوات، تحولت هذه الشبكات المسلحة إلى جزء من موازين القوة داخل العراق نفسه، ما جعل الدولة العراقية تعاني من ازدواجية في السلطة والسلاح. وهنا يظهر التناقض الكبير: فالأدوات التي استُخدمت لتعزيز النفوذ الخارجي قد تتحول بمرور الوقت إلى عامل ضغط داخلي يهدد استقرار الدولة نفسها.
التاريخ السياسي للشرق الأوسط مليء بهذه المفارقات. أنظمة رفعت شعارات كبرى عن إعادة تشكيل المنطقة أو تصدير نماذجها السياسية وجدت نفسها لاحقاً أمام تحديات داخلية عميقة. فالمجتمعات لا يمكن إدارتها بالشعارات وحدها، ولا يمكن تثبيت النفوذ الإقليمي إذا كانت الجبهة الداخلية تعاني من اختلالات اقتصادية أو اجتماعية.
القوة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس فقط بقدرتها على التأثير خارج حدودها، بل بمدى قدرتها على بناء مؤسسات مستقرة، وتوفير فرص العمل، وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية يضمن تماسك المجتمع. فالتوسع الخارجي الذي لا يستند إلى قاعدة داخلية صلبة غالباً ما يتحول إلى عبء سياسي واقتصادي.
ولهذا، فإن التجارب التي مرت بها المنطقة خلال العقدين الأخيرين، من العراق إلى سوريا، تؤكد حقيقة أساسية في علم السياسة: الدول التي تنشغل بإدارة الأزمات خارج حدودها أكثر من اهتمامها بإصلاح الداخل، تجد نفسها عاجلاً أو آجلاً أمام استحقاقات قاسية.
في النهاية، لا تتحرك السياسة الدولية وفق الشعارات المعلنة، بل وفق موازين القوة والمصالح. أما التاريخ، فهو أقل تسامحاً مع الأخطاء الاستراتيجية؛ إذ يعيد دائماً تذكير الفاعلين بأن الأزمات التي تُشعل في الجوار قد تعود في يوم ما لتطرق أبواب من أشعلها.