
حين تتشابه الوجوه في مرآة السلطة:عن الغلبة والأخلاق و”سلوك الرجل المعتاد”...
ليس أخطر على الوعي الجمعي من أن تتحول السياسة إلى مرآة عاكسة لذات السلوك الذي قامت عليه الاعتراضات الأولى. فحين ينزلق أي فريق من الفرقاء إلى الفجور في القول، أو إلى التوحش في الفعل، أو إلى الاستباحة الرمزية للآخر، فإنه—من حيث لا يريد أو ربما من حيث لا يعي—يمنح خصومه السابقين شهادة براءة ضمنية، ويعيد إنتاج اللحظة التي ثار عليها أو عارضها أو ادّعى إصلاحها...
- هنا لا يعود السؤال عن “من كان محقاً؟”..
سؤالاً تاريخياً بريئاً، بل يتحول - إلى سؤال أخلاقي قاسٍ:
هل كان الخلاف اختلاف مشروع في الرؤى، أم مجرد تنازع على أدوات الغلبة؟..
في جوهر هذا الإشكال تقف قاعدة قانونية لافتة في دلالتها، عميقة في أثرها، وهي ما يُعرف في الفقه القانوني بـ “سلوك الرجل المعتاد”، هذه القاعدة، التي تُستخدم كميزان تقديري في يد القاضي الجزائي، لا تبحث فقط في النص الجامد، بل تمتد إلى الضمير المهني ذاته، فالقاضي، حين يعجز النص وحده عن استيعاب تعقيد الفعل الإجرامي، يضع نفسه مكان الفاعل، ويسأل نفسه:
" لو كنت مكانه، هل كنت سأفعل مثله"؟..
ومن هذا السؤال البسيط في صياغته، العميق في مضمونه، تتولد العدالة التقديرية:
إمّا تخفيفٌ يستند إلى ظروف إنسانية مركبة، أو تشديدٌ يستند إلى إدراك واعٍ لخطورة الفعل وانحرافه عن السلوك المتوقع للإنسان “العادي”...
لكن الأخطر حين نُسقط هذه القاعدة من قاعة المحكمة إلى قاعة التاريخ،
ففي السياسة، حيث تختلط الشرعية بالقوة، والمظلومية بالسلطة، والثورة بالدولة، يصبح “سلوك الرجل المعتاد” سؤالاً أكثر إزعاجاً:
- هل ما كان يُدان بالأمس، صار اليوم ممارسةً مبررة باسم الضرورة؟..
- وهل تغيّر الفاعلون، أم تغيّرت المواقع فقط؟..
اقصد إذا عاد فريق ما إلى السلطة، وبدأ يمارس ذات التصرفات التي كان يصفها بالاستبداد حين كانت تُمارَس ضده، فإننا لا نكون أمام تحول سياسي فحسب، بل أمام انكشاف أخلاقي، وعندها يصبح الفارق بين الخصوم مجرد تبدّل في مواقع السيطرة، لا اختلاف في جوهر الفعل...
هنا تتهاوى الفكرة التي تدّعي النقاء المطلق لأي طرف، فحين تتكرر أدوات القمع، أو تُستعاد لغة الإقصاء، أو يُعاد إنتاج منطق “نحن وحدنا الحقيقة”، فإننا لا نكون أمام ثورة انتصرت، بل أمام سلطة تغيّرت أسماؤها وبقيت آلياتها...
وهنا بالضبط يصبح السؤال أكثر مرارة هو:
- ما الذي يميز هذا الفريق عن ذاك، إذا كانت النتيجة واحدة، والسلوك واحداً، واللغة ذاتها، وإن اختلفت الشعارات؟..
- أليس ذلك ما يجعل التاريخ يدور في حلقة مغلقة، حيث تتبادل الأطراف الأدوار دون أن تغادر دائرة “ثقافة الغلبة”، لا ثقافة الدولة ولا ثقافة العدالة؟
إن مأساة بعض التجارب السياسية ليست في سقوطها الأول، بل في إعادة إنتاجها لنفس أسباب السقوط وهي تظن أنها تتقدم، وهكذا يتحول الصراع من صراع على بناء وطن، إلى صراع على من يملك حق تعريف الوطن، ومن يحتكر روايته...
ولعل في الأدب ما يسبق الفقه هنا في كشف الحقيقة. فحين كتب محمد الماغوط “سأخونك يا وطني”، لم يكن يعلن خيانة بقدر ما كان يفضح عمق الجرح بين الفرد والسلطة، بين الحلم والواقع، بين ما يُفترض أن يكون وما صار عليه الأمر، وربما، في لحظة أكثر قسوة، قد يكتب إنسان هو أنا “سأكرهك يا بلدي”...
لا كفعل عدمي، بل كصرخة احتجاج على تكرار الخيبة حين تتشابه الوجوه وتختلف الأسماء...
في النهاية، ليست القضية في من يحكم، بل في كيف يحكم، وليست في من ينتصر، بل في ما الذي يتغير بعد الانتصار...
فإذا كانت الغلبة هي المعيار، فكل طرف قادر على تبرير نفسه، أما إذا كانت الأخلاق هي المعيار، فالكثير من الانتصارات ستسقط من سجل التاريخ، وتُستبدل بسؤال واحد لا يرحم:
- هل كنتم مختلفين حقاً… أم أنكم كنتم النسخة الأخرى من الشيء ذاته؟