
حين تتشقق خرائط القوة: الشرق الأوسط على حافة إعادة التشكيل.
ليس من الدقة وصف ما يجري اليوم بأنه جولة جديدة من التصعيد، ولا حتى حربًا بالمعنى التقليدي الذي اعتدناه. نحن أمام لحظة تفكك في بنية السيطرة ذاتها، حيث تتداخل الجبهات وتختلط الحسابات إلى درجة يصبح معها المشهد أقرب إلى انهيار تدريجي لنظام إقليمي كامل، لا مجرد صراع بين أطراف متقابلة.
اللغة السياسية الصادرة عن دونالد ترامب تحمل نبرة الحسم، بينما تتبنى طهران خطابًا ينفي أي استعداد للتراجع. لكن ما بين التصريحات والواقع، تتساقط الوقائع تباعًا: صواريخ تتنقل بين الجبهات، ممرات بحرية تفقد حصانتها، وحدود لم تعد تضبط إيقاع النار. الجنوب اللبناني يغلي، والبحر الأحمر لم يعد كما كان، وغزة لا تزال مفتوحة على احتمالات لا تنتهي.
في البدايات، ساد اعتقاد بأن ضربة قوية قد تعيد رسم حدود الردع. ثم تحوّل هذا الاعتقاد إلى رهان على انهيار سريع لأحد الأطراف. لكن ما تكشّف لاحقًا كان مختلفًا تمامًا: بدل الانكسار، برزت قدرة أعلى على التكيّف والمبادرة. وبدل الاحتواء، اتسعت رقعة الاشتباك. أما الحسم، فبقي غائبًا، تاركًا الجميع في مساحة رمادية عنوانها الاستنزاف.
المعضلة الأبرز تتجلى في وضع إسرائيل، التي تجد نفسها منخرطة في أكثر من ساحة دون أن تنجح في إغلاق أي منها بشكل نهائي. من غزة إلى الشمال، ومن البحر إلى العمق، تتبدد فكرة الجبهة الواحدة القابلة للإدارة. ما يظهر ليس فائض قوة، بل ضغط متراكم يختبر حدود القدرة على الاستمرار.
أما الولايات المتحدة، فتبدو في موقع أكثر تعقيدًا. تدخل بثقلها، ثم تتحدث بلغة التهدئة. تلوّح بالتصعيد، ثم تفتح قنوات خلفية. هذا التذبذب لا يعكس غموضًا تكتيكيًا بقدر ما يكشف مأزقًا استراتيجيًا: الانخراط في مواجهة غير مرغوبة، مع صعوبة الانسحاب منها دون كلفة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز الجغرافيا كفاعل حاسم. مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر نفطي، وباب المندب لم يعد نقطة عبور آمنة. حين تتحول هذه العقد البحرية إلى أدوات ضغط، فإن الصراع يتجاوز البعد العسكري ليطال الاقتصاد العالمي في صميمه. هنا تحديدًا، تبدأ القوى الكبرى بالشعور بارتجاجات لا يمكن تجاهلها.
الذاكرة التاريخية تستحضر مشهد أزمة السويس، حين اكتشفت إمبراطورية كبرى أن سيطرتها لم تعد مطلقة. الفارق اليوم أن المسرح أوسع، والتشابكات أكثر تعقيدًا، والنتائج أقل قابلية للتنبؤ.
في المقابل، يقف العالم العربي في موقع المتفرج القلق. بعض الأنظمة تراقب بحذر، أخرى تلوذ بالصمت، وثالثة تترقب مآلات الصراع لتعيد تموضعها. لكن هذا الحياد الظاهري لا يلغي حقيقة أن المنطقة بأسرها تُعاد صياغتها، وأن كلفة الانتظار قد لا تكون أقل من كلفة الانخراط.
الأخطر في كل ما سبق هو تآكل المسلمات التي قامت عليها معادلات القوة خلال عقود. التفوق الجوي لم يعد كافيًا، وفكرة الردع المطلق لم تعد قائمة، والجبهات لم تعد قابلة للفصل. نحن أمام واقع تتداخل فيه الساحات إلى درجة تجعل أي شرارة قابلة للتحول إلى حريق واسع لا يملك أحد القدرة على احتوائه بمفرده.
لهذا، يبدو الحديث عن انتصارات سريعة أقرب إلى الوهم، كما أن تجاهل تعقيد المشهد لا يعدو كونه قراءة قاصرة. ما يتشكل أمامنا هو نمط جديد من الصراعات: طويل النفس، متعدد المستويات، قائم على إنهاك الخصم بدل كسره بضربة واحدة.
وفي النهاية، لن يكون الفيصل هو من بادر بإطلاق النار، بل من امتلك القدرة على الصمود حتى اللحظة التي يختل فيها توازن الآخر. هناك، فقط، تتحدد النتائج.
أما أين ستُكتب الخاتمة، فلن يكون ذلك في مراكز القرار البعيدة، بل في النقاط التي تُفرض فيها الوقائع على الأرض… حيث لا صوت يعلو فوق إيقاع النار.