--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تُدار الجغرافيا بالعقيدة... من شعار “تصدير الثورة” إلى هندسة الفوضى الإقليمية

Salah Kirata • ٥‏/٥‏/٢٠٢٦

30448.jpg

حين تُدار الجغرافيا بالعقيدة... 
من شعار “تصدير الثورة” إلى هندسة الفوضى الإقليمية:

لم يكن ما سُمّي بـ“تصدير الثورة” في التجربة الإيرانية مجرد شعار سياسي عابر، بل تحوّل وبسرعة قياسية تكاد تكون جنونية إلى عقيدة دولة كاملة، تُترجم على الأرض بأدوات أمنية وعسكرية ومذهبية متشابكة، يتقدمها الحرس الثوري الذي شكله المقبور ( الخميني ) وعهد إليه بـ ( تصدير الثورة ) جاهلا منه الذراع الصلبة لمشروع يتجاوز حدود إيران، ليعيد تشكيل خرائط النفوذ في الإقليم على نحو لا يترك مساحة للصدفة أو البراءة السياسية، مدعيا حماية ( المضطهدين ) و ( المظلومين ) مرسخا مفهوم ( المظلومية) التي لها أن تعبث بالعقول حد تهميشها وتوقظ الغرائز لجعل أصحابها مغيبين مع تحويلهم إلى أدوات قتل بدم بارد منطلقين من مظلومية تاريخية ...
30229.png


في سياق العهر السياسي لما سمي ظلما وعدوانا بـ ( الثورة الإسلامية الإيرانية ) التي أعدت لها امريكا نظيرا ( سنيا ) في سورية بعد تمكين تنظيم (القاعدة) فرع سورية الذي صار يوما (جبهة النصرة)، ليصبح لاحقا ( هيئة تحرير الشام )، بذا لم يعد الدين إطارًا روحيًا أو منظومة قيم، بل جرى دفعه "وفق قراءتي النقدية"إلى قلب المعادلة السياسية بوصفه أداة تعبئة وتفكيك في آن واحد، فحين يُرفع خطاب “نصرة المستضعفين”، لا يكون السؤال فقط عن من هم هؤلاء المستضعفون، بل عن الجهة التي تُعرّفهم، وتُحدد ساحاتهم، وتقرر متى يتحول الدعم إلى تدخل، ومتى يصبح التدخل بنية دائمة داخل الجغرافيا السياسية لدول أخرى.
28821.png


في العراق ولبنان واليمن، لم يكن  الحديث يوما منذ بدأت إيران بتصدير ثورتها، لم يكن يوما يدور عن نفوذ سياسي تقليدي، بل عن شبكات متداخلة تتدرج من التأثير إلى بناء “دول داخل الدولة”، تمتلك قرارًا أمنيًا وعسكريًا مستقلًا عن المركز الرسمي... وفي الحالة السورية، ظهر المشهد أكثر تعقيدًا ووضوحًا في آن وقد تجلى بـ :
- تدخل عسكري مباشر من خلال دخول حزب الله على خط الأزمة السورية الذي أعطاها مفاتيح أن تكون طائفية ودفعها دفعا الأسلمة والعسكرة عندما قال المقبور حسن نصرالله بـ ( حماية مراقد شيعية ) وكأن السوريون كان تحركهم ضد السيدة زينب وسواها ممن يعتقد أنهم دفنوا في سورية وهذه هذه أتعس الأكاذيب التاريخية...
-  إعادة تشكيل لموازين القوة، كما أسلفت عنى إيران الذي عكسه تدخل حزب الله بقوة حيث بدأ بقتل السوريين على الهوية معلنا صراحة أن الطريق الى القدس يمر على انقاض مدن لها هوية، وهذا ما أدى إلى ( الأسلمة والعسكرة ) وهذه كانت إحدى أهم أدوات إعادة رسم الخارطة السياسية لسورية على ضوء نظرية الشرق الأوسط الجديد ...
- وكل هذا أنتج اندماجا تدريجيا بين الصراع الداخلي والخارج الإقليمي، حتى بدا أن حدود الدولة نفسها أصبحت ساحة مفتوحة لتجاذب مشاريع متعارضة...
19669.png


الخطير في هذا المسار ليس فقط الفعل، بل اللغة التي رافقته، فمفاهيم مثل “الأقليات” لم يكن يوما من الخطاب السوري الداخلي قبل الأزمة، لكنها برزت بقوة في الخطاب السياسي الخارجي الذي اقتحم المشهد السوري لاحقًا، وحين يُعاد تعريف مجتمع كامل عبر عدسة طائفية، فإننا لا نكون أمام توصيف اجتماعي بريء، بل أمام إعادة هندسة للانتماء نفسه، حيث تتحول الهوية من مواطنة إلى اصطفاف، ولم يكن هذا التحول نظريًا فقط، بل رافقته تصريحات وخطابات سياسية ودينية صريحة، فقد جرى تبرير التدخل العسكري في سورية تحت عنوان “حماية المقدسات”، كما أسلفت واسهبت، وهو عنوان يبدو في ظاهره دفاعيًا، لكنه في جوهره يُدخل الصراع في منطقة رمادية بين العقيدة والسلاح، ويحوّل الأرض إلى ساحة تأويل مذهبي مفتوح، لا إلى ساحة سياسية قابلة للحل، علما اني وانا من اشتغل بالسياسة كل عمره اول مرة سمعت أن يلحظ الدستور السوري ما قيل بـ ( الأقليات ) كان على لسان جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني خلال زيارته لسورية عام ٢٠١٣ ليصل زيت ايران ( الشيعية ) على مابدأ يأخذ طابع الثورة ( السنية ) وهي لم تكن يوما كذلك لكن للأمانة صارت فعلا بالتوازي مع طرح ( شيعية ) التدخل ولو لم يقل صراحة، وتعزز وترسخ في سورية بدءا من ٨ / ١٢ / ٢٠٢٤ حيث يبدو أن سورية في عهد ( هيئة تحرير الشام ) ماضية أو بشكل هي أقرب لأن تكون الرد ( السني ) على ما وصف بـ ( الثورة الإسلامية الإيرانية) وسورية كما يبدو هي أقرب لأن تكون ( الثورة الإسلامية السورية) النسخة ( السنية )؟!..

واذكركم هنا وفي قلب هذا المشهد بالتحديد بواقعة لايجوز أن تغيب عن الأذهان وهي :
حمل قائد الحرس الثوري الإيراني رسالة من خامنئي فيها دعم سياسي وأمني من القيادة الإيرانية إلى دمشق، تتضمن الإشارة إلى تجربة قمع احتجاجات داخلية سابقة بوصفها نموذجًا قابلًا للاستنساخ في سورية برعاية ودعم ايرانيان، وهذه الإشارة تحديدًا تكشف بوضوح نوع “المعرفة السياسية” التي يتم تصديرها وهي أن تكن يوما:
 (خبرة في الاستقرار، بل خبرة في السيطرة؛ ليست إدارة أزمة، بل إدارة قمع)...

أما أخطر ما في الحرب السورية، وفق هذا المنظور، فهو أنها لم تولد طائفية، لكنها جرى دفعها تدريجيًا نحو التطييف، فالصراع الذي بدأ سياسياً واجتماعياً، تعرّض لاحقًا لعمليات إعادة صياغة معقدة، شاركت فيها قوى إقليمية، ما أدى إلى نقل المواجهة من مستوى الخلاف على السلطة إلى مستوى الاصطفاف الهوياتي، وعندما يحدث ذلك، تصبح التسويات أصعب، والذاكرة أكثر جراحًا، والانقسام أقرب إلى البنية منه إلى الظرف.

هكذا، لم يعد السؤال: 
- من بدأ الحرب؟..
 بل أصبح أكثر دقة ومرارة:
-  من أعاد تشكيلها؟..
-  ومن نقلها من سياق سياسي قابل للتفاوض، إلى سياق هوياتي يبدو وكأنه بلا نهاية؟..

في النهاية:
 لا يبدو أن المنطقة كانت تفتقر إلى الأزمات، بل إلى من يرفض تحويلها إلى أدوات دائمة لإعادة رسم الخرائط، وبين شعار الثورة، وخطاب الحماية، وسرديات المستضعفين، ضاعت الفواصل بين السياسة والعقيدة، وبين الدولة والمشروع، وبين الحل وإدامة الصراع.