
حين تُحاكم النملة وتُبرَّأ الفيلة… عدالةٌ تُقاس بالوزن لا بالفعل:
في بلادٍ تُروى عنها الحكايات كما تُروى الأساطير، لم تعد العدالة تُقاس بالفعل نفسه، بل بما يحمله الفاعل من وزنٍ وحجمٍ وظلّ. هناك، وقعت حادثتان بسيطتان في ظاهرِهما، لكنهما تكشفان ما هو أعمق من القصة ذاتها: فيلٌ سرق كيس سكر، ونملةٌ سرقت حبّة سكر.
بدا المشهد للوهلة الأولى عادياً في منطق الغابة؛ كلاهما ارتكب فعلاً واحداً من حيث المبدأ: السرقة. غير أن ما حدث بعد ذلك لم يكن منطقاً، بل كان عرضاً ساخراً لميزان العدالة حين يُفصل على مقاس الأقوياء.
تمّ القبض على النملة فوراً. لم يحتج الأمر إلى تحقيق طويل، ولا إلى أدلة معقّدة، ولا حتى إلى جلسات استماع. كانت صغيرة بما يكفي لتُدان، وضعيفة بما يكفي لتُحاسَب، ومكشوفة بما يكفي لتُدان علناً. انتهت القصة بسرعة، وكأن العدالة وجدت ضالتها أخيراً.
أما الفيل… فقد اختفى.
لم يهرب، بل “اختبأ” خلف حجمه. لم تُرَ آثاره رغم أن الأرض ما زالت تحمل بصماته الثقيلة. لم تُطرح الأسئلة، لأن السؤال نفسه بدا غير لائق. كيف تُسائل من يملأ المكان حضوراً وثقلاً ونفوذاً؟ كيف تبحث عن دليلٍ ضد من يملك القدرة على تحويل حضوره إلى قانون؟
هكذا ببساطة، صار الحجم مبرّراً للغياب عن المحاسبة، وصارت الصِغَر إدانةً بحد ذاته.
ليست القصة عن فيلٍ ونملة، بل عن منظومة تُتقن فن اختيار ضحاياها. العدالة هنا لا تنظر إلى الفعل، بل إلى الفاعل: إن كنت صغيراً، فخطؤك جريمة كاملة الأركان، وإن كنت كبيراً، فالجريمة قابلة للتأويل، وربما للتحويل، وربما للنسيان.
المفارقة أن الفعل ذاته — سرقة السكر — لم يتغير، لكن نتيجته تغيّرت جذرياً. كأننا أمام قانون غير مكتوب يقول: “ليست المشكلة فيما فعلت، بل في حجمك حين فعلت”.
وهكذا، تتحول العدالة من ميزانٍ أعمى إلى مرآةٍ تعكس القوة لا الحقيقة. تُصاغ القوانين لتبدو صارمة، لكن تطبيقها يختار طريقاً آخر، طريقاً يعرف جيداً أين يضع قدمه الثقيلة وأين يده الخفيفة.
في النهاية، لا تحتاج المجتمعات إلى فيلة ونمل كي تختبر عدالتها، بل تحتاج فقط إلى أن تنظر في المرآة دون تزييف. لأن أخطر ما في القصة ليس سرقة السكر، بل اختلال المعايير: حين يصبح القبض على الصغير إنجازاً، وتجاهل الكبير حكمة، والسكوت عن الفرق بينهما نظاماً.