
حين تُحرَّم الكأس ويُستباح الجوع:
ليس أكثر إيلاماً من أن تعتاد الحكومات على تجاهل أنين الفقراء، وأن تتقن في المقابل صناعة الغضب الانتقائي. فصرخات الأطفال المحرومين من لقمة الخبز لا تُستدعى إلى طاولات القرار، ولا تتحول إلى مراسيم عاجلة، بينما تتحول صورة كأسٍ هنا أو سلوكٍ هناك إلى قضية تستنفر لها السلطة أدواتها وخطابها، وكأن الخطر الحقيقي على المجتمع يكمن في التفاصيل الهامشية لا في الجرح المفتوح.
المشكلة ليست في القرار ذاته بقدر ما هي في دلالاته وسياقه. حين يُتخذ قرار يبدو في ظاهره أخلاقياً أو تنظيمياً، لكنه في عمقه يحمل بصمات تمييزٍ فئوي أو نزعة إقصائية، فإنه يتحول من مجرد إجراء إداري إلى رسالة سياسية مقلقة. رسالة تقول إن السلطة ترى المجتمع بعينٍ واحدة، وتختار معاركها بعناية، لا وفق أولويات الناس، بل وفق ما يخدم خطابها الضيق.
إن أخطر ما في مثل هذه القرارات أنها لا تُقاس بنتائجها المباشرة، بل بما تزرعه من انقسام صامت. فهي لا تستهدف سلوكاً بقدر ما تستهدف شريحة واسعة من السوريين الذين يرون في هذه الخطوات تعدياً على نمط حياتهم، وعلى تنوعهم الذي شكّل دائماً إحدى نقاط قوة المجتمع السوري. وهنا يصبح الحديث عن الطائفية أو الفئوية ليس اتهاماً عابراً، بل قراءة لواقع يُعاد تشكيله ببطء، حيث يُدفع الناس دفعاً إلى خنادق لم يختاروها.
والأشد خطورة أن هذه السياسات تعكس جهلاً عميقاً بطبيعة المجتمع وتعقيداته. فالدولة التي تعجز عن توفير الخبز، أو تضبط أسعار الدواء، أو تحمي كرامة مواطنيها، لا تملك ترف التدخل في تفاصيل حياتهم الخاصة. لأن الشرعية، في جوهرها، لا تُبنى على فرض أنماط سلوك، بل على تحقيق العدالة وضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
ثم إن المفارقة الكبرى تكمن في أن مثل هذه القرارات، التي قد يُظن أنها تُرضي فئة معينة، سرعان ما تتحول إلى مصدر استياء أوسع، حتى داخل تلك الفئة نفسها. لأن الناس، مهما اختلفت توجهاتهم، يدركون بالفطرة أن الانتقائية في تطبيق القيم ليست أخلاقاً، بل أداة سلطة.
والأيام القادمة تحمل في طياتها ما هو أبعد من مجرد ردود فعل عابرة. فحين يبدأ الاحتقان بالتراكم، لا يعود محصوراً في إطار ديني أو اجتماعي، بل يتحول إلى حالة عامة من الرفض. رفضٍ لا يميز بين مسلم وغير مسلم، بين متدين وغير متدين، لأن القاسم المشترك يصبح الشعور بالإهانة والتجاهل. وحين يصل الأمر إلى الساحات العامة، فإن الرسالة تكون قد خرجت من إطار النخبة إلى نبض الشارع.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد قرار، بل اختبار حقيقي لعلاقة السلطة بالمجتمع. فإما أن تعيد ترتيب أولوياتها، وتضع معاناة الناس في صدارة اهتماماتها، أو تستمر في سياسة الإلهاء، التي قد تنجح مؤقتاً، لكنها لا تستطيع إخفاء الحقيقة طويلاً: أن الجوع لا يُغطى بالشعارات، وأن الكرامة لا تُدار بالمراسيم.
والأهم من ذلك كله، أن المجتمع الذي يُدفع إلى الزوايا، لن يبقى صامتاً إلى الأبد. لأن ما يُطلب من الناس ليس مجرد الصبر، بل القبول بالتناقض، وهذا ما لا يمكن لأي شعب أن يستمر في تحمله.
والقادم، بالفعل، لم يُكتب بعد.