
حين تُختَبَر الدول في العبور: من يملك المرحلة الانتقالية ومن يتحمّل وزر الفشل؟
في اللحظات التي تخرج فيها الدول من تحت أنقاض الانهيار، لا تكون المشكلة في حجم الخراب وحده، بل في طريقة التفكير في إدارة ما بعد الخراب. الدولة التي تهتزّ مؤسساتها، ويتشقق نسيجها الاجتماعي، وتفقد ثقة مواطنيها، لا تحتاج إلى “منقذ فرد” بقدر ما تحتاج إلى عقلٍ جمعي يشتغل على ترميم المعنى قبل ترميم المباني. هنا بالضبط يبدأ الامتحان الحقيقي للقيادة: هل ترى المرحلة الانتقالية فرصة لبناء عقد جديد مع المجتمع، أم غنيمة سياسية تُدار بعقلية الاستحواذ؟
الخبرة التاريخية تقول إن الحكومات التي تأتي بعد انهيارات كبرى تُولَد وهي تحمل أوزاراً ليست من صنعها بالكامل، لكنها ستُحاسَب على طريقة تعاملها معها. فالخراب المتراكم لا يُصلَح بالقرارات الارتجالية، والانقسام المجتمعي لا يُعالَج بخطابات الوحدة وحدها، وانعدام الثقة لا يُستعاد بالشعارات. ما يُعيد للدولة توازنها هو نمط الحكم ذاته: منطق الشراكة بدل الاحتكار، وإدارة التنوع بدل قمعه، وتوزيع المسؤولية بدل تركيزها في دائرة ضيقة.
أخطر ما يمكن أن تقع فيه قيادة انتقالية هو وهم “القبضة المنقذة”: الاعتقاد بأن إغلاق المجال العام وتسوير القرار السياسي سيُسرّع التعافي. في الواقع، يحدث العكس تماماً. حين تُختزَل الدولة في نخبة صغيرة، يصبح الفشل شخصياً لا مؤسسياً، وتتحول الإخفاقات إلى تهم سياسية، وربما إلى ملفات قانونية. المشاركة الواسعة لا تُربك القرار كما يُشاع، بل تُوزّع كلفة المخاطرة وتمنح القرارات شرعية اجتماعية تحميها من الانهيار عند أول عاصفة.
الانتقال الصحي لا يقوم على تقاسم الغنائم، بل على إدارة الموارد العامة بعينٍ مفتوحة أمام الناس. الشفافية ليست ترفاً أخلاقياً في زمن الأزمات؛ هي شرط عملي لاستعادة الثقة. وحين يعرف المواطن كيف تُتخذ القرارات، وأين تُصرف الأموال، ولماذا تُقدَّم هذه الأولويات على غيرها، يصبح شريكاً في تحمّل الألم المؤقت بدل أن يكون خصماً دائماً للسلطة. أما حين تُدار الدولة خلف أبواب مغلقة، فإن كل فشل صغير يتضخم في المخيال العام إلى فضيحة كبرى.
وفي قلب هذا كله، تقف مسألة الكفاءة بوصفها خط الدفاع الأول عن الدولة. المجتمعات الخارجة من الانهيار لا تملك رفاهية التجريب بالمحسوبية أو إرضاء الولاءات الضيقة. إعادة البناء تحتاج إلى من يعرف كيف يدير، لا إلى من يعرف لمن ينتمي. وعندما تُوزَّع المناصب باعتبارها مكافآت سياسية، تُفقد المؤسسات قدرتها على التعافي، ويتحوّل الفشل الإداري إلى فشل سياسي شامل.
كما أن تركيز الصلاحيات في يد جهة واحدة قد يبدو، للوهلة الأولى، طريقاً مختصراً للحسم والسرعة، لكنه في الحقيقة طريق سريع إلى الانسداد. التوازن بين المؤسسات ليس عرقلة للقرار، بل شبكة أمان تمنع الانحراف وتقلّل كلفة الخطأ. الدولة التي تتعلّم كيف تراقب نفسها من داخلها، أقل عرضة لأن تنفجر أزماتها في الشارع.
وفوق كل ذلك، يبقى القانون هو السقف الذي لا يجوز كسره مهما اشتدت الضغوط. حين يشعر الناس أن القواعد تُطبَّق انتقائياً، تنهار آخر بقايا الثقة في الدولة، ويبدأ البحث عن بدائل خارجها. العدالة، في مراحل ما بعد الانهيار، ليست انتقاماً مؤجلاً ولا تسوية شكلية، بل مساراً دقيقاً يعترف بالأذى، يُنصف الضحايا، ويغلق أبواب الثأر المفتوحة. من دون هذا المسار، تتحول الذاكرة الجريحة إلى قنبلة موقوتة في قلب المجتمع.
نجاح المرحلة الانتقالية لا يُسجَّل في رصيد حزب أو تيار، بل في سجل الدولة نفسها. هو مكسب عام يُراكم الاستقرار للأجيال المقبلة. أما فشلها، فلا يبقى خطأ سياسياً عابراً؛ يتحوّل إلى عبء تاريخي يُدفع ثمنه سنوات طويلة من التقهقر وعدم اليقين. في لحظات العبور الكبرى، لا يُسأل فقط: من يحكم؟ بل كيف يُحكَم، ولمصلحة من، وبأي قواعد. هنا يتحدد إن كانت الدولة ستعبر إلى ضفة التعافي… أم ستعيد إنتاج انهيارها بلغة جديدة.