
حين تُمحى الأسماء تُستهدف الذاكرة:
ليست القضية في تغيير اسم شارع أو مسجد، ولا في استبدال لوحة بأخرى على جدار مدينة. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تتعلق بالذاكرة الجماعية للأمة، وبالرموز التي تشكل وجدان الناس وتربط حاضرهم بتاريخهم.
حين يُزال اسم شهيد بحجم عبد المنعم رياض من شارع رئيسي في مدينة مثل حمص، أو يُمحى اسم جمال عبد الناصر من مسجد ارتبط تاريخياً ببيئة شعبية حملت مشروعه القومي، فإن الأمر لا يمكن قراءته كإجراء إداري عابر. نحن أمام محاولة لإعادة صياغة الوعي العام، وفصل الأجيال الجديدة عن المعاني التي صنعت وجدان هذه الأمة: التحرر، والوحدة، والمقاومة، والاستقلال.
الأسماء ليست زينة لغوية، بل شواهد تاريخ. شارع يحمل اسم قائد شهيد لا يخلد شخصه فقط، بل يختصر معركة كاملة من الصراع العربي مع المشروع الصهيوني، ويذكّر الناس بأن لهذه الأمة رجالاً دفعوا حياتهم دفاعاً عن كرامتها. وحين يُمحى الاسم، فالمقصود ليس الرجل وحده، بل الفكرة التي يمثلها.
الأخطر أن هذا العبث لا يبدو معزولاً، بل يأتي ضمن مناخ أوسع يسعى إلى تفريغ الوعي العربي من رموزه الكبرى، وتحويل التاريخ إلى صفحات منفصلة بلا رابط، بحيث تسقط معارك التحرر من الذاكرة، وتُقدَّم المقاومة كخطأ، ويُعاد تعريف الوطنية بما ينسجم مع مصالح الخارج لا مع كرامة الداخل.
حتى العملة الوطنية، التي يفترض أن تكون مرآة للهوية الحضارية، أصبحت نموذجاً لهذا التجفيف الرمزي، حين غابت عنها صورة سوريا التي نعرفها: تاريخها، حضارتها، تنوعها، وعمقها الثقافي. وكأن المطلوب أن تُختزل البلاد في حاضر إداري بلا جذور.
هذا المسار لا يخدم بناء سوريا الجديدة، بل يضعفها. فالدولة لا تُبنى بقطع صلتها بتاريخها، ولا بتحويل المجتمع إلى جماعات متنافرة فاقدة للذاكرة المشتركة. القوة الحقيقية لأي مشروع سياسي تأتي من احتضانه للبيئة الوطنية والقومية التي تمنحه الشرعية والحماية، لا من استعدائها.
الثورات كثيراً ما تُهزم من داخلها أكثر مما تُهزم من خصومها. والخطر الأكبر ليس في بقايا النظام السابق فقط، بل في العقول التي تعتقد أن محو الرموز الوطنية هو طريق التحديث، وأن إرضاء الخارج يمر عبر تفكيك الداخل.
من يغيّر اسم عبد المنعم رياض لا يمس الرجل، فمكانته أكبر من لوحة شارع، لكنه يكشف موقعه هو من التاريخ، ومن معنى التضحية، ومن فكرة الوطن نفسها. فالرموز الحقيقية لا تُمحى، لكن الذين يحاولون محوها هم من يكتبون لأنفسهم موقعاً صغيراً في هامش الذاكرة.