
حين يعلو صوت الهدم :
قراءة في مسؤولية المجتمع قبل السلطة...
ليس كل من يحمل صفة “مواطن” سواء، فهناك فرق شاسع، بل أخلاقي وحضاري، بين المواطن الدون والوضيع، وبين المواطن الراقي والمحترم...
الأول يهدم حيثما وُجد، يخرّب بالقصد أو باللامبالاة، يعتدي على المكان والقيمة والمعنى، بينما الثاني يعمّر، يبني، يحافظ، ويشعر أن ما حوله امتداد لكرامته الشخصية، هذه ليست مسألة ذوق أو تربية منزلية فقط، بل مسألة وعي جمعي ونمط سلوك متجذر...
السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه هنا :
- ما نسبة السوريين من الصنف الأول مقارنة بالصنف الثاني؟
-وهل يستطيع أولئك القلّة الذين يبنون، أن يرمموا أو يعمّروا ما يهدمه المخربون بلا توقف؟
عندي قناعة راسخة، وهي اني لا أظن أن هناك شعبًا في العالم تزيد فيه نسبة المخربين على نسبة البنّائين كما هو الحال عند السوريين اليوم، والأخطر من ذلك، أن هذا المستوى الوضيع لم يعد خفيًا أو خجولًا، بل أصبح ظاهرًا، صاخبًا، ومتفاخرًا بانحطاطه، وكأن التباهي بالخراب صار هوية...
وهنا يبرز السؤال الجوهري :
- هل ما نراه نتيجة تخريب ممنهج ومنظم؟..
- أم نتيجة خلل أعمق، ربما جيني، في منظومة الأخلاق والقيم؟..
شخصيًا، يومًا بعد يوم، تزداد قناعتي بأن حافظ الأسد – وكل من جاء بعده – لم يخلق هذه الأنماط السلوكية من العدم، بل بنى على ما كان موجودًا أصلًا، أفعالًا وأقوالًا، استعدادات نفسية واجتماعية كامنة، قابلة للتضخيم والاستثمار، السلطة لا تزرع في أرضٍ صخرية؛ هي تستغل تربة مهيأة، ولو جزئيًا...
وهنا لا بد من التأكيد على حقيقة غالبًا ما يُراد تجاهلها وهي :
ليس لسلطة، حتى لو امتلكت العصا السحرية، أن تُخرّب شعبًا لا يمتلك استعدادًا ذاتيًا للتخرّب،
الاستبداد قد يسرّع الانهيار، لكنه لا يخلق الانحطاط من الصفر، هو يستثمر في القابلية، لا أكثر...
من هذا المنطلق، أجد نفسي مصطفًا بوضوح مع مقولة :
( كما تكونوا يُولّى عليكم )...
أكثر بكثير من اقتناعي بمقولة :
( الناس على دين ملوكهم ) ...
فالملك، أو الحاكم، ليس كائنًا هابطًا من السماء، بل هو – في نهاية المطاف – انعكاس لتوازنات المجتمع، لأمراضه، ولصمته الطويل، ولتواطؤ جزء منه، ولعجز جزء آخر، ولو كان حافظ الأسد نبيًا مرسلًا، لما استطاع أن يُخرّب السوريين إلى هذا المستوى الذي وصلوا إليه اليوم، لو لم تكن البذور موجودة، ولو لم يكن الاستعداد قائمًا...
الخاتمة :
رقناعــــاتي في الواقع، والطريق الممكن إلى واقع أفضل :
ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية، بل أزمة أخلاق عامة، أزمة في مفهوم المسؤولية، وفي العلاقة مع المكان، ومع الدولة، ومع الآخر، إذ لا يمكن بناء وطن بأيدٍ اعتادت الهدم، ولا يمكن انتظار الخلاص من السلطة، بينما المجتمع يرفض مساءلة ذاته...
أما الانتقال إلى واقع أفضل، فليس مستحيلًا، لكنه شاق ويتطلب ما يلي :
- إعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية والسلوكية في المدرسة والبيت والإعلام، لا كشعارات، بل كممارسات يومية صارمة...
- كسر ثقافة التبرير، فلا للظروف، لا للسلطة، لا للتاريخ، كل فرد مسؤول عن سلوكه...
- تمكين النماذج الإيجابية في المجتمع، وحمايتها من السخرية والتهميش، بدل ترك الساحة للوضاعة كي تتباهى بنفسها...
- ربط الحقوق بالواجبات عمليًا، لا نظريًا؛ فلا كرامة بلا التزام، ولا حرية بلا مسؤولية...
- إعادة تعريف معنى “المواطن” بوصفه شريكًا في البناء، لا مجرد ضحية دائمة أو متفرج غاضب...
الخلاصة القاسية، ولكن الصادقة :
( لن يتغير ما فوق، إن لم يتغير ما تحت، ولن يُصلح الحاكم شعبًا، إن لم يكن هذا الشعب مستعدًا أصلًا لأن يُصلح نفسه ).