--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يغلق العقل أبوابه، يبدأ الإقصاء .

Salah Kirata • ١٢‏/٢‏/٢٠٢٦

FB_IMG_1770917945348.jpg

احين يُغلق العقل أبوابه… يبدأ الإقصاء :

أفدح ما في التفكير الغيبي حين يتحوّل إلى يقينٍ مغلق، أنه لا يكتفي بإنتاج رؤية للعالم، بل يُنتج موقفاً من الإنسان نفسه. ففي اللحظة التي يُصادَر فيها السؤال، ويُجرَّم الشك، وتُختزل الحقيقة في تفسير واحد لا يحتمل النقاش، تبدأ العقول بالانكفاء، وتشرئبّ الغرائز لتملأ الفراغ. عندها تتقدّم الشعارات على حساب البرهان، ويتراجع التفكير النقدي لصالح الاصطفاف الأعمى، وتُختزل الدنيا في معادلة قاسية: من ليس معنا فهو ضدنا.
هذا المنطق الثنائي ليس مجرد خلل في الرؤية، بل هو بذرة كل أشكال الاستقطاب الحاد. إنه يلغي المنطقة الرمادية التي يعيش فيها البشر بطبيعتهم، ويطمس التعقيد الإنساني الذي لا يمكن حبسه في خانتين متقابلتين. فالحياة ليست معسكرين متواجهين، والناس ليسوا جنوداً في حرب أبدية. لكن التفكير الغيبي حين يتصلّب، يُعيد تشكيل الواقع وفق حاجته النفسية إلى اليقين المطلق، ولو كان وهماً.
تكمن خطورة هذا النمط من التفكير في أنه يمنح أتباعه شعوراً زائفاً بالتفوّق الأخلاقي. فحين يعتقد المرء أنه يحتكر الحقيقة، يصبح كل مخالف ضالاً أو معادياً أو حتى خطراً يجب تحييده. وهنا يتحوّل الاختلاف من ظاهرة صحية إلى تهديد وجودي، ويتحوّل الحوار إلى مساومة غير مقبولة، لأن الحقيقة – في نظرهم – مكتملة ومحصّنة ضد المراجعة.
من هذه النقطة يبدأ الانحدار. فالتعصّب لا يبقى رأياً متشدداً فحسب، بل يتبدّل إلى إقصاء، ثم إلى إلغاء. يُقصى المختلف من دوائر التأثير، ثم يُجرَّد من الشرعية، ثم يُسحَب منه حق التعبير. ومع الوقت، قد يُجرَّد من إنسانيته ذاتها. فالتاريخ يُخبرنا أن كل عنفٍ كبير بدأ بفكرة صغيرة تعتبر الآخر خطراً يجب استبعاده. وما إن تُغلق الأبواب أمام التنوع، حتى تُفتح النوافذ أمام التطرف.
إن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالسقوط يوم يُستبدل العقل بالشعار، والبرهان بالتحشيد، والإنسان بالتصنيف. حين يُصبح الانتماء هو معيار القيمة، لا الكفاءة؛ وحين يُصبح الولاء هو شرط القبول، لا التفكير؛ وحين يُختزل الناس في هويات ضيقة، تُفقد المجتمعات قدرتها على التطور. فالتقدّم بطبيعته نتاج تفاعل، وتلاقح أفكار، وصدام معرفي صحي، لا نتيجة انسجام قسري مفروض بالقوة المعنوية أو المادية.
قد يظن البعض أن التشدد في الرأي هو دليل قوة وثبات، لكنه في جوهره تعبير عن هشاشة داخلية تخشى السؤال. فالعقل الواثق لا يخاف النقاش، ولا يرى في الاختلاف تهديداً، بل فرصة لتصحيح المسار أو تعزيز القناعة بالحجة. أما العقل الذي يرتعب من الأسئلة، فهو عقل يدرك في أعماقه أن بنيانه غير متين، فيستعيض عن الإقناع بالإقصاء، وعن الفكرة بالاتهام.
الأخطر من ذلك أن التفكير الغيبي حين يتحالف مع السلطة – أي سلطة – يصبح أداة قمع منظمة. فهو يبرّر التضييق باسم حماية الهوية، ويشرعن الإلغاء باسم صون القيم، ويغطي الاستبداد بعباءة القداسة. وحين تُمنح الأفكار حصانة مطلقة من النقد، تتحوّل إلى أصنام ذهنية، ويغدو المساس بها جريمة، ولو كان بدافع الإصلاح.
لا يعني ذلك أن الإيمان أو القناعة الراسخة مشكلة بحد ذاتها؛ فالقيم العميقة جزء من التكوين الإنساني. لكن الفارق الجوهري يكمن في كيفية التعامل مع هذه القيم: هل تُقدَّم بوصفها اجتهاداً بشرياً قابلاً للفهم والمراجعة، أم بوصفها حقيقة نهائية تُسقط كل ما عداها؟ هنا يتحدد المسار: إما مجتمع يتسع للاختلاف، أو فضاء مغلق لا يحتمل إلا صدى صوته.
إن الإنسانية في جوهرها مشروع مشترك، يقوم على الاعتراف المتبادل بالكرامة والحق في الاختلاف. وكل فكرة تُهدد هذا الاعتراف، مهما بدا ظاهرها أخلاقياً أو عقائدياً، تزرع في التربة بذور الانقسام. فلا يمكن لمجتمع أن يبني مستقبلاً مشتركاً بعقلية المعسكرات، ولا يمكن لفكرة أن تزدهر في مناخ يخشى الضوء.
إن الدفاع عن العقل ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. والدفاع عن التعدد ليس تنازلاً عن الثوابت، بل حماية لها من التحول إلى أدوات صراع. فحين نسمح للاختلاف أن يعيش، نُبقي المجال مفتوحاً أمام التطور، ونحمي أنفسنا من الوقوع في فخ اليقين القاتل.
الخاتمة
في النهاية، ليست المشكلة في أن نختلف، بل في أن نرفض حق الآخرين في الاختلاف. وحين نختزل العالم في شعار “من ليس معنا فهو ضدنا”، فإننا لا نحاصر الآخرين فحسب، بل نحاصر أنفسنا داخل أسوار فكرية ضيقة. المجتمعات التي تختار العقل والحوار تبني جسوراً، أما تلك التي تختار الإقصاء فتبني متاريس. وبين الجسر والمتراس يتحدد مصير الإنسان.