
حين يكون الوطن أولوية… أو لا يكون:
لم تجفّ بعدُ ذاكرة الدم في الشوارع، ولم تتحوّل البيوت المهدّمة إلى مجرد حكايات تُروى، ولم يُطوَ بعدُ ملف الفقد في قلوب السوريين كي يُفتح فوقه ملف حربٍ جديدة. ما زال الألم حيّاً، يمشي بين الناس، يسكن تفاصيلهم اليومية، ويطلّ من وجوههم التي تعبت من الاحتمال. ومع ذلك، يخرج من يتحدث عن مواجهةٍ أخرى، وكأن البلاد لم تدفع بعدُ ما يكفي من أثمان.
هنا، لا يعود الأمر اختلافاً في الرأي، ولا حتى تقديراً سياسياً خاطئاً، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي عميق: كيف يمكن لمن رأى كل هذا الخراب أن يقترح إعادة إنتاجه؟ كيف يمكن لمن شهد انهيار المدن، وتفكك العائلات، وضياع جيلٍ كامل، أن يتعامل مع الحرب كخيارٍ مطروح، لا ككارثةٍ يجب تجنّبها بأي ثمن؟
إن فكرة “سوريا أولاً” ليست شعاراً عاطفياً، بل ضرورة وجودية. فالوطن، في هذه اللحظة، ليس مفهوماً نظرياً ولا ساحةً للمزايدات، بل هو بشرٌ منهكون، يريدون أن يعيشوا فقط. يريدون ماءً وكهرباء، مدرسةً لأطفالهم، وطمأنينةً لا تُقطع بصوت انفجار. يريدون أن يلتقطوا أنفاسهم بعد سنواتٍ من اللهاث خلف النجاة.
لقد أثبتت التجربة، وبقساوةٍ لا تُحتمل، أن الحروب لا تُدار كما تُطرح في الخطابات. من يدعو إليها لا يدفع ثمنها غالباً، بل يدفعه أولئك الذين لا صوت لهم. تُدفع من بيوت الفقراء، من أعمار الشباب، من أحلام الأطفال، ومن مستقبلٍ كان يمكن أن يكون مختلفاً. أما أصحاب الشعارات الكبرى، فكثيراً ما يجدون طريقهم إلى النجاة، تاركين خلفهم بلداً أكثر هشاشة، وأكثر انكساراً.
ولذلك، فإن أي حديث عن حربٍ جديدة، في ظل هذا الواقع، هو تجاهلٌ فجّ لكل ما حدث، واستخفافٌ خطير بمعاناة الناس. ليس من الوطنية في شيء أن تُدفع البلاد نحو مزيد من الدمار تحت عناوين فضفاضة. الوطنية الحقيقية اليوم هي أن نمنع الانهيار، لا أن نُسرّع به. أن نُعيد بناء ما تهدّم، لا أن نفتح أبواباً لهدمٍ جديد.
إن إعادة إعمار سوريا لا تبدأ بالإسمنت، بل بالوعي. وعيٌ يرفض أن يكون وقوداً لصراعات الآخرين، ويدرك أن الاستقرار ليس ضعفاً، بل شرطاً لأي نهوض حقيقي. وعيٌ يضع الإنسان في مركز الاهتمام، لا الشعارات، ويُدرك أن الحفاظ على ما تبقى هو إنجاز بحد ذاته في هذه المرحلة.
ثمّة جيلٌ كامل نشأ في ظل الحرب، لم يعرف من الوطن إلا صوره المتكسّرة. هذا الجيل لا يحتاج إلى معركةٍ جديدة، بل إلى فرصة. فرصة ليتعلم، ليعمل، ليحلم دون أن يُقاطع حلمه صوت القصف. وإذا لم تُمنح له هذه الفرصة، فإن الخسارة لن تكون فردية، بل وطنية بامتياز.
“سوريا أولاً” تعني أن نُعيد ترتيب الأولويات: أن يكون الإنسان قبل السياسة، والحياة قبل الشعارات، والمستقبل قبل ردود الفعل. تعني أن نقول، بوضوحٍ لا يحتمل الالتباس، إن ما يكفي قد حدث، وإن البلاد لم تعد تحتمل مغامرات جديدة، مهما كانت مبرراتها.
ليست هذه دعوة إلى الاستسلام، بل إلى التعقّل. ليست تراجعاً، بل محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فالأوطان لا تُبنى بالاندفاع، بل بالحكمة، ولا تُحمى بالشعارات، بل بالمسؤولية.
وفي لحظةٍ كهذه، يصبح الموقف الحقيقي بسيطاً إلى حدّ القسوة: إما أن تكون سوريا أولاً… أو لا تكون.