--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يراقب السياسي نفسه… وتتشظى الرواتب في الدولة الواحدة، بل في الشركة الواحدة والقسم الواحد

Salah Kirata • ٢١‏/٥‏/٢٠٢٦

36357.jpg

حين يراقب السياسي نفسه… وتتشظى الرواتب في الدولة الواحدة، بل في الشركة الواحدة والقسم الواحد

حين أعلن عن زيادة قدرها 570 يورو في رواتب أعضاء البرلمان الألماني، كان من المتوقع – كما يحدث في كثير من الدول – أن تُستقبل الخطوة بالموافقة التلقائية. لكن ما حدث كان مختلفًا: عدد من ممثلي الأحزاب اختاروا التخلي عن هذه الزيادة، مبررين موقفهم بأنهم لا يستطيعون مطالبة المواطنين بالتقشف في ظل أزمة اقتصادية، ثم يمنحون أنفسهم امتيازًا إضافيًا في اللحظة ذاتها.

هذا الموقف، بصرف النظر عن دوافعه السياسية أو الرمزية، يطرح سؤالًا عميقًا: هل ما زالت السياسة في بعض الدول قادرة على مراقبة ذاتها أخلاقيًا قبل أن تُراقَب قانونيًا؟ وهل ما زال ممكنًا أن ينتصر الانسجام بين الخطاب والفعل على منطق المصلحة الشخصية؟

في هذا النموذج، لا يتعلق الأمر فقط بمبلغ مالي، بل برسالة واضحة: أن المسؤول العام لا ينفصل عن المجتمع الذي يخاطبه، وأن الشرعية الأخلاقية لا تُبنى بالقانون وحده، بل بالتقارب بين القول والسلوك.

لكن حين ننتقل إلى الحالة السورية، يتبدل المشهد جذريًا، ليس فقط في الشكل بل في بنية الفكرة نفسها.

في سوريا اليوم، لا توجد زيادة واحدة يمكن أن تُقاس بمعيار موحد، بل توجد فسيفساء من القرارات المتناقضة: وزارة تمنح موظفيها مليون ليرة بمناسبة عيد العمال أو اقتراب عيد الأضحى، بينما تبقى وزارات أخرى خارج هذا السياق تمامًا. تحسينات في الدخل تصل إلى فئة من المتقاعدين دون أخرى، وكأن العدالة صارت انتقائية لا معيارية.

بل إن المشهد الأكثر إيلامًا ليس في تفاوت القرارات بين المؤسسات المختلفة، بل داخل المؤسسة الواحدة: موظفون يعملون في الدائرة نفسها، تحت السقف الإداري ذاته، لكنهم يتقاضون رواتب مختلفة جذريًا؛ أحدهم مرتبط بسعر صرف الدولار بشكل أو بآخر، وآخر يتقاضى راتبه بالليرة السورية دون أي حماية من انهيار القوة الشرائية. وكأن معيار الاستحقاق لم يعد العمل أو الدرجة الوظيفية أو سنوات الخدمة، بل اعتبارات غير معلنة لكنها حاسمة.

في مثل هذا الواقع، لا يعود السؤال: لماذا يرفض البرلماني الألماني الزيادة؟ بل يصبح السؤال السوري الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن لموظف أن يفهم معنى العدالة الوظيفية أصلًا إذا كانت داخل المؤسسة الواحدة متناقضة؟

حين تغيب العدالة في التوزيع، تتحول الرواتب من حق مستقر إلى منحة متقلبة، ومن معيار اقتصادي إلى أداة إدارة ظرفية. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة: فقدان القاعدة الواحدة التي يفترض أن يُبنى عليها الإحساس العام بالمساواة.

إن الفارق بين النموذجين ليس اقتصاديًا فقط، بل سياسي وأخلاقي في جوهره. في النموذج الأول، هناك محاولة – مهما كانت نسبية – لإبقاء الجسر قائمًا بين ممثل الشعب والمجتمع. وفي النموذج الثاني، تتشظى القاعدة إلى قرارات متفرقة، فيضيع معها الإحساس بأن هناك دولة واحدة بمعايير واحدة.

ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يُقال في الحالة السورية ليس الوصف، بل الاستسلام له. فالدول لا تنهار فقط حين تتدهور مواردها، بل حين تفقد قدرتها على استعادة معيار العدالة ولو تدريجيًا. واستمرار هذا التفاوت دون رؤية إصلاحية شفافة يخلق شرخًا أعمق من الأزمة الاقتصادية نفسها: شرخ الثقة.

ولذلك، فإن أي حكومة انتقالية قادمة – أيًا كان شكلها – لن يُقاس نجاحها أولًا بالأرقام الاقتصادية، بل بقدرتها على توحيد معيار الاستحقاق، ووقف التفاوت غير المبرر داخل الدولة الواحدة، وإعادة تعريف الراتب بوصفه حقًا لا منحة ظرفية.

والتحذير هنا واضح: الدولة التي تسمح بتعدد “أسعار الإنسان” داخلها، تفقد تدريجيًا قدرتها على أن تكون دولة أصلًا، مهما حسّنت الرواتب أو غيّرت السياسات.