
حين يصبح الانحطاط مادةً للفرجة:
في حديثٍ جمعني مؤخراً بصديقٍ راقٍ ومحترم ومثقف، شديد الاهتمام بالشأن العام، قال لي بكثيرٍ من الأسى والألم على حال البلد والناس كلاماً مؤلماً، لكنه للأسف يعكس جانباً كبيراً من الواقع الذي وصلنا إليه، لم يكن كلامه نابعاً من كراهية للناس، بل من وجعٍ عميق على وطنٍ يُستنزف، وعلى مجتمعٍ تُدفع أجياله نحو التجهيل والانقسام والانحدار الأخلاقي والفكري...
قال لي:
انظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي، مئات الصفحات التي تحصد آلاف المتابعات لأنها تعلم الناس كيف يسلقون بيضة أو يقْلون البطاطا، وصفحات أخرى تقوم على إثارة الغرائز الطائفية والمذهبية، والنبش في المعارك القديمة، والتحريض والتكفير، مع قليلٍ من الشتائم والكلام السوقي، فتجد التفاعل الهائل والجدال العقيم والمتابعة العمياء...
في المقابل:
هناك صفحات محترمة تتحدث عن السياسة بوعي، وعن الواقع الاجتماعي والمعيشي، وعن مشاكل الشباب والفقر والبطالة والانهيار الأخلاقي والتربوي، لكنها تبقى شبه معزولة، لا تجد ذات الانتشار ولا ذات الحماسة الجماهيرية...
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
فالمشكلة لم تعد فقط في المحتوى الهابط، بل في البيئة التي صارت تتغذى عليه، وفي عقلٍ جمعيّ أُنهك عبر عقود طويلة من القمع والتجهيل والخوف والإفقار، حتى أصبح الهروب إلى السطحية والطائفية والصراخ أسهل من مواجهة الحقيقة المؤلمة...
لقد أُفرغ الإنسان السوري، خلال سنوات طويلة، من أدوات التفكير الحر والنقاش الصحي، التعليم تراجع، الثقافة حوصرت، الإعلام تحوّل إلى أدوات تعبئة، والفقر سحق الكرامة وأشغل الناس بلقمة العيش، وحين يجتمع الفقر مع الخوف ومع غياب العدالة، تصبح المجتمعات أكثر قابلية للانجرار وراء التفاهة والتحريض والانقسام...
الأخطر من ذلك أن هذا الواقع لا يهدد الحاضر فقط، بل يهدد ما تبقى من مستقبل البلد. فالمجتمع الذي ينشغل بالصراعات الوهمية، ويستهلك وقته في الشتائم والتحريض، بينما تُنهب موارده وتُدمّر مؤسساته وتضيع أجياله، هو مجتمع يسير نحو مزيد من التفكك والانهيار...
ومع ذلك، لا يجوز الاستسلام لليأس أو احتقار الناس، لأن كثيرين أصبحوا ضحايا منظومة طويلة من التجهيل والإذلال والإفقار. المطلوب اليوم ليس مزيداً من الكراهية، بل إعادة بناء الوعي...
وهذا لا يكون إلا عبر:
- دعم المحتوى الجاد والمحترم وتشجيع الصفحات التي تطرح قضايا الناس الحقيقية...
- إعادة الاعتبار للتعليم والثقافة والفكر النقدي...
- نشر ثقافة الحوار بدل التخوين والتكفير...
- تحصين الشباب من الخطاب الطائفي والتحريضي...
- التركيز على هموم السوريين المشتركة بعيداً عن الانقسامات.
- بناء وعي سياسي واجتماعي يرى الإنسان مواطناً لا تابعاً لطائفة أو جماعة...
إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو أن يصبح الانحدار أمراً طبيعياً ومقبولاً، وأن يتحول الضجيج إلى بديل عن الحقيقة، والكراهية إلى لغة يومية.
سورية اليوم لا تحتاج مزيداً من الصراخ، بل تحتاج عقولاً هادئة، وضمائر حيّة، وكلمة حق تُقال بشجاعة ومسؤولية، بعيداً عن الابتذال والتحريض والمهاترات.