
حين يصبح “البحث في الأسباب” غطاءً لإعادة إنتاج التبرير السياسي:
قرأت مقالا للزميل والرفيق العتيق د. بسام ابو عبدالله الذي أقدر واحترم وأتابع ما يكتب باهتمام لاسيما أنه كان لنا نشاط ثقافي في اتحاد شبيبة الثورة وقد التقيته يوما صدفة في قاعة ( الشهيدة حميدة الطاهرة ) حيث كان يسجل قبلي حلقة في برنامج عنوانه "للشباب رأي"بدأ هذا البرنامج مع بداية الأحداث السورية وقبل أن تستعر حربا مجنونة احرقت الاخضر قبل اليابس واتت على بشر سورية وحجرها ولازالت سورية والسوريين تعاني تداعياتها ...
ما قاله الرفيق والزميل د. بسام ابو عبدالله حفزني أن أرد مفندا بود واحترام وتقدير لشخصه ومكانته العلمية والوطنية، وما ارجوه من كل من يقرأ أن لا يتعامل مع ما اقول وفق خلفية إقصائية فأنا لم أكن ولن اكون يوما مع خلط الدين بالسياسة، ليس هذا فقط، بل أنا اعادي بالفطرة التنظيمات الدينية الراديكالية اينما وجدت ولا أعتقد بحال من الأحوال بالجهاد بمفهومه العتيق في الزمن الحالي، ومع كل هذا وذاك أؤكد اني لا أرى في الحكومة الانتقالية إلا فصلا من فصول المؤامرة الكونية التي وفرت حقبة آل الأسد لها الأرضية...
أما بعد:
فأنا اضع أمام العقلاء من السوريين الذين لايفرق بينهم عرق ولادين مقالي التالي، وقبل أن أضعه أمامكم اذكر من نسي واعلم من لا يعرفني مسلمتي التالية :
( انا انسان قبل أن أكون عربيا، وتربي قبل أن أكون سوريا، وسوري قبل أن أكون مسلما أو مسيحيا أو يهوديا، و كمحصلة انا مسلم بالميلاد قبل أن أكون سنيا أو علويا أو شيعيا أو درزيا )
في مقاله المنشور تحت عنوان :
" من يخدم من في سوريا؟ البحث في الأسباب لا النتائج "
يحاول الدكتور بسام أبو عبد الله أن يقدّم نفسه بوصفه صوتاً عقلانياً يدعو إلى قراءة الجذور بدل الاكتفاء بملاحقة النتائج، ومن حيث المبدأ، لا يمكن لأي عاقل أن يعترض على فكرة البحث في الأسباب، لأن الأزمات الكبرى لا تنشأ فجأة، ولا تسقط المجتمعات دفعة واحدة في الفوضى والانقسام دون مقدمات عميقة ومتراكمة.
بل إن من البديهي القول إن أي سلطة تمارس الإقصاء، أو تسمح بخطاب الكراهية، أو تتساهل مع العنف الطائفي، إنما تفتح الباب أمام التدخلات الخارجية وتخلق بيئة مثالية للاختراق والتفكك. وهذه ليست نظرية سياسية جديدة، بل حقيقة أكّدتها تجارب المنطقة كلها، من العراق إلى لبنان إلى سوريا نفسها...
غير أن المشكلة الحقيقية في المقال لا تكمن في هذه المقدمة العامة، بل في الطريقة التي يُعاد فيها تركيب الوقائع والاستنتاجات، بحيث يتحول "البحث في الأسباب" تدريجياً إلى أداة انتقائية تُستخدم لتبرير سردية سياسية معينة، وإخفاء سرديات أخرى لا تقل خطورة ولا دموية...
فالدكتور بسام او عبدالله تحدث مطولاً عن الخوف والمظلومية والانتهاكات، ويذهب بعيداً في توصيف أثرها النفسي والاجتماعي، لكنه يفعل ذلك ضمن سياق انتقائي واضح، يقتطع جزءاً من التاريخ السوري ويعزله عن جذوره الحقيقية، ثم يبني عليه استنتاجات سياسية وأخلاقية كبرى.
"وهنا تبدأ الإشكالية الفعلية"....
لأن السؤال الذي يفرض نفسه مباشرة هنا هو:
- إذا كنا فعلاً نبحث في “الأسباب”، فلماذا يبدأ البحث من لحظة معينة ويتوقف عندها؟..
- ولماذا يجري التعامل مع الوقائع الراهنة وكأنها نشأت من فراغ سياسي واجتماعي وتاريخي؟..
ثم :
- من الذي حوّل سورية لعقود طويلة إلى دولة أمنية مغلقة؟..
- ومن الذي صادر السياسة والحياة العامة والمجتمع المدني؟..
- ومن الذي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة على أسس الولاء والخوف؟..
- ومن الذي دمّر إمكان نشوء حياة سياسية طبيعية تسمح بتداول السلطة أو احتواء الأزمات قبل انفجارها؟..
عموماً:
إذا كان معيار النقاش هو الذهاب إلى الجذور، فإن أول مقتضيات الأمانة الفكرية والسياسية أن تُقرأ الأزمة السورية بوصفها مساراً متكاملاً لا مجرد لحظة معزولة يُعاد استخدامها لخدمة استنتاجات راهنة...
لأن أخطر أشكال التضليل السياسي لا تكمن دائماً في التضليل المباشر والمقصود، بل أحياناً في حذف أجزاء حاسمة من الصورة، بحيث تبدو النتيجة وكأنها الحقيقة الكاملة...
وفي هذا السياق:
يقع المقال في خلط شديد الخطورة بين فهم الظاهرة وتبريرها...
فمن الطبيعي أن يشعر أي إنسان بالخوف حين يرى العنف والانهيار والمجازر والانقسامات، ومن الطبيعي أيضاً أن تبحث الجماعات المهددة عن الأمان النفسي والسياسي، لكن ثمة فرقاً هائلاً بين تفسير هذا السلوك إنسانياً، وبين تحويله إلى مدخل لتبرير الارتهان للخارج أو تقديمه بوصفه نتيجة مفهومة سياسياً وأخلاقياً...
وهنا تكمن أخطر نقاط المقال...
إذ إن النص، وإن لم يقل ذلك بصورة مباشرة، يدفع القارئ تدريجياً نحو استنتاج ضمني مفاده أن الخوف قد يجعل الارتماء في أحضان الخارج أو البحث عن "حماية" خارجية أمراً قابلاً للفهم وربما للتسامح السياسي...
وهذه ليست مسألة عابرة...
لأن كل جماعات المنطقة تقريباً تمتلك ذاكرة خوف ودم ومجازر وانكسارات:
- السنة في سوريا والعراق تعرضوا للقتل والتهجير...
- الشيعة واجهوا مذابح مرعبة على يد التنظيمات التكفيرية...
- المسيحيون تعرضوا للتفريغ والاقتلاع...
- الفلسطينيون يعيشون منذ عقود تحت النكبة والحصار والقتل...
- الدروز، والأكراد، وسواهم، يملكون بدورهم ذاكرات خوف معقدة ومؤلمة...
فإذا أصبح الخوف وحده مبرراً للبحث عن الحماية الخارجية أو إقامة علاقات سياسية ملتبسة مع الخارج، فلن يبقى في المنطقة أي معنى لفكرة الدولة الوطنية نفسها...
معلوم:
أن الدول لا تنهار فقط بسبب التدخلات الخارجية، بل تنهار أيضاً حين تبدأ الجماعات الداخلية بالنظر إلى الخارج بوصفه الضامن النهائي لأمنها ووجودها ومستقبلها...
ومن هنا يبدو التناقض واضحاً في مقاربة الكاتب لمسألة إسرائيل تحديداً...
فهو يدين الاستثمار الإسرائيلي في الانقسامات السورية، لكنه في الوقت نفسه يخفف تدريجياً من خطورة بعض أشكال التقاطع مع الخارج عبر وضعها في سياق " الخوف " و" الخذلان" و" البحث عن النجاة" ...
للعلم :
فإن إسرائيل تاريخياً لا تعمل فقط عبر شبكات التجسس التقليدية، بل عبر تفكيك المجتمعات من الداخل، وتحويل الجماعات إلى كيانات خائفة ومنغلقة على نفسها، بحيث تصبح فكرة "الحامي الخارجي " أكثر جاذبية من فكرة الدولة المشتركة، وقد سمعنا من بعض الموتورين من السوريين لما بدأت ميليشيات ايران المرتزقة والطائفية بالقتل على الهوية، سمعنا من يناشد اسرائيل لأنه على ما هو فيه من وعي وإدراك وما يحدث لمرحلة لم يعد يقبلها عقل لم يعرف أن كل من قتل في سورية قتلا طائفيا إنما كان بمعرفة أو بدونها ينفذ أمرا قتال اركان الجيش الإسرائيلي وأنا هنا اقصد الأفراد والجماعات ومن طرفي النزاع الذي صار صراعا بسرعة جنونية، وانا هنا احمل كامل المسؤولية لآل الأسد ليقيني ومعرفتي أن خلية الأزمة لم يتم تفجيرها إلا لأنها كانت تعمل عن ابعاد بشار الأسد عن رئاسة الجمهورية وتكليف نائبه الاستاذ فاروق الشرع وهذا يسقط اي تهمة طائفية للنظام الذي يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي ظاهريا، فهو بحدود المستطاع حاول عبر خلية الأزمة أن يجنب البلاد مذبحة طائفية يصل بنتيجتها تنظيم اسلامي لحكم سورية...
اعود متابعا الى ماكنت اقول :
حين تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، تكون عملية التفكك قد بدأت فعلياً، حتى لو بقيت المؤسسات والأعلام والحدود قائمة شكلياً...
ومن أكثر النقاط إرباكاً في مقال د. بسام تلك المتعلقة بمسألة "العمالة".. والاختراق الأمني.
فالكاتب يقول:
وهو محق في ذلك، إن وجود عملاء أو شبكات تجسس داخل أي بيئة لا يعني اتهام طائفة كاملة بالخيانة، وهذه حقيقة لا يجوز الجدل حولها، لأن الاختراقات الأمنية تحدث في كل المجتمعات بلا استثناء...
غير أن المشكلة تبدأ حين يُستخدم هذا الكلام الصحيح للقفز فوق مسألة مختلفة تماماً، وهي وجود خطابات سياسية علنية تتحدث عن الفيدراليات الطائفية، أو الحمايات الخارجية، أو إعادة تشكيل البلاد على أسس ما دون وطنية...
فهنا لا يعود الحديث عن "اختراق أمني" عابر، بل عن مشاريع سياسية ينبغي مناقشتها بوضوح وصراحة...
ورفض التعميم الطائفي لا يعني أبداً تعطيل النقد السياسي أو منع النقاش حول خطورة بعض الطروحات التفكيكية...
وفي مواضع كثيرة، يبدو المقال وكأنه يعيد إنتاج نوع من المظلومية السياسية الانتقائية، حيث يجري تسليط الضوء على ضحايا محددين، بينما تُدفع ملايين المآسي السورية الأخرى إلى الهامش أو الصمت...
وهذه إحدى أخطر الكوارث الأخلاقية التي أصابت السوريين خلال السنوات الماضية...
إذ باتت كل جماعة تميل إلى النظر إلى ضحاياها باعتبارهم الضحايا " الحقيقيين" فيما يجري التعامل مع آلام الآخرين بوصفها هامشاً سياسياً أو تفصيلاً ثانوياً أو نتيجة مستحقة...
ياسادة :
يا معشر الأساتذة الكرام والمحترمين ...
يامن كنا نستمتع اليكم مقدرين:
بهذه الطريقة لا تُبنى ذاكرة وطنية، بل تُبنى جزر نفسية مغلقة، تعيش كل واحدة منها داخل سرديتها الخاصة وخوفها الخاص وعداواتها الخاصة...
ليس كل ما ذكرته اعلاه فقط، بل إن المقال يقع في تبسيط مخلّ حين يحاول تحميل " الإسلام السياسي" مسؤولية الخراب السوري بصيغة شبه مطلقة، متجاهلاً أن الأزمة السورية لم تكن يوماً نتيجة عامل واحد أو تيار واحد أو أيديولوجيا واحدة، رغم اني شخصيا اتقاطع مع هذه الفكرة كثيرا، بل كثيرا جدا، لكن للأمانة البحثية والموضوعية هي من دفعتني لقول ما قلته اعلاه لجهة هذه الجزئية وأقصد ( الاسلام السياسي )، فأنا لست من الرافضين له بل أنا من أعدائه والحاقدين عليه...
لكن كل هذا لم يمنعني من أن أقول ان
الاستبداد العسكري والأمني، والفساد البنيوي، وتدمير السياسة، والطائفية المقنعة، والعنف الجهادي، والتدخلات الإقليمية والدولية، كلها عناصر شاركت بدرجات مختلفة في إنتاج الكارثة السورية...
أما اختزال كل ذلك في رواية أحادية، فهو ليس تفسيراً بقدر ما هو إعادة تدوير لسردية سياسية قديمة بلغة جديدة...
والأهم من ذلك كله أن الدعوة إلى دولة المواطنة والعلمانية والقانون " وهي دعوة صحيحة من حيث المبدأ " وانا ايضا ادعو إليها، لكن هذه الدعوة على صحتها وضرورتها لا يمكن أن تُبنى على انتقائية أخلاقية وسياسية...
فالدولة المدنية لا تُقام عبر:
- اختيار ضحايا دون غيرهم...
- أو إدانة طائفية معينة مع الصمت عن طائفيات أخرى...
- أو رفض التدخل الخارجي حين يأتي من خصوم، وتفهّمه حين يرتبط بالخوف أو المصلحة...
الدولة المدنية تبدأ حين يصبح المعيار واحداً للجميع:
- لا قتل على الهوية لأي إنسان...
- ولا استقواء بالخارج لأي جماعة، ولا حصانة لأي سلطة..
- ولا تبرير لأي مشروع تفكيكي مهما كانت الذرائع...
باختصار:
إن المشكلة الحقيقية في سورية لم تكن يوماً مجرد تعدد الطوائف والمكونات، فسورية عاشت قروناً طويلة بتنوعها، بل بدأت المأساة حين تحولت الهويات إلى مشاريع خوف متبادلة، وحين صار كل طرف يرى نفسه مهدداً بالآخر لا شريكاً معه...
وعند هذه النقطة تحديداً، لا تحتاج إسرائيل ولا أي قوة خارجية إلى اقتحام الأبواب، لأن المجتمعات تكون قد بدأت بفتحها من الداخل...
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله أي خطاب سياسي اليوم ليس فقط تبرير الانقسام، بل تهيئة الناس نفسياً وأخلاقياً لفكرة أن الخارج قد يصبح ملاذاً مشروعاً أو حامياً مقبولاً...
فحين تصل المجتمعات إلى هذه القناعة، تكون فكرة الوطن نفسها قد دخلت مرحلة الانهيار البطيء، مهما ارتفعت الشعارات عن السيادة والمقاومة والوحدة الوطنية...
اخوتي وبنو بلدي :
إن سورية لن تنجو لا بالاستبداد، ولا بالطائفية، ولا بالمظلومية الانتقائية، ولا بالمشاريع المؤدلجة، ولا بالاحتماء بالخارج...
بل تنجو فقط حين يصبح السوري مواطناً كاملاً، لا تابعاً لطائفة، ولا أداة في صراع إقليمي، ولا وقوداً دائماً لحروب الهوية المفتوحة.