
حين يصبح الغلو مشروعًا: من أجل سورية لا بد من مواجهة ظاهرة “جماعة أحمدنا”
المجتمع السوري، كأي مجتمع في العالم، ليس كتلة واحدة منسجمة ولا صورة مثالية معلّقة خارج التاريخ. فيه الخير والشر، وفيه النبل والانتهازية، وفيه الصادق والمنافق، وفيه ذلك الطيف الواسع من السلوك الإنساني الذي يتأرجح بين الرحمة والقسوة، بين الحكمة والطيش، وبين المسؤولية والاندفاع الأعمى. هذه حقيقة لا تحتاج إلى برهان، لأن المجتمعات لا تُقاس بالشعارات، بل بما يعتمل داخلها من تناقضات وصراعات ومصالح وأفكار.
لكن، وللأمانة الفكرية والسياسية، لا بد من القول إن ما برز بعد ما سُمّي بـ”التحرير” — وهو توصيف واسع وفضفاض، قابل للنقاش والتفنيد بل وحتى الدحض بالأدلة والوقائع — لم يكن مجرد انتقال سياسي أو تبدل في موازين القوى، بل كان أيضًا فرصة لخروج أنماط اجتماعية وفكرية كانت كامنة أو مستترة، لتتقدم إلى الواجهة بثقة مقلقة وخطاب أكثر صراحة وحدّة.
ومن بين هذه الظواهر، برزت بشكل لافت ما يمكن تسميته بـ”جماعة أحمدنا”، وهي ليست مجرد تسمية عابرة بقدر ما هي توصيف لحالة ذهنية وسلوكية أخذت تتمدد داخل الفضاء السوري العام، حالة تقوم على الغلظة، وقسوة القلب، وضيق الأفق، واحتكار الحقيقة، والاعتقاد الوهمي بأنهم وحدهم يمثلون الخير المطلق، وأنهم الامتداد الشرعي والحصري لمن سُمّوا بالسلف الصالح، وأن كل من عداهم إما ناقص الإيمان، أو منحرف، أو متآمر، أو مستحق للإقصاء وربما للإلغاء.
هذه الجماعة لا ترى المجتمع بوصفه تنوعًا بشريًا طبيعيًا، بل ساحة فرز عقائدي دائم. لا تتعامل مع الوطن باعتباره عقدًا جامعًا بين مواطنين مختلفين، بل كغنيمة يجب أن تخضع بالكامل لمعيارها الخاص في التدين والانتماء والولاء. هم لا يبحثون عن دولة، بل عن وصاية؛ لا يريدون شراكة، بل طاعة؛ لا يؤمنون بالمواطنة، بل بالتصنيف؛ ولا يعترفون بالاختلاف، بل يقرأونه كتهديد يجب اجتثاثه.
والمشكلة هنا ليست فقط في خطابهم، بل في الوهم الذي يسكنهم: وهم أنهم من “خير البرية”، وأنهم وحدهم الناجون، وأن التاريخ يبدأ من عندهم وينتهي عندهم، وأن سورية لا تستحق الحياة إلا إذا تشبهت بهم. وهذا النوع من التفكير هو أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا خرج للتو من حرب مدمرة، لأنه يعيد إنتاج منطق الحرب نفسها ولكن بلباس جديد.
ومن منطلق الحرص الحقيقي على سورية، كل سورية، لا بد من التحذير الجاد من الانزلاق نحو مواجهة بينية داخلية جديدة، لأن الحرب المقبلة — إن تُرك المجال لهذا الخطاب كي يتمدد ويترسخ — لن تكون مجرد جولة جديدة من الصراع، بل ستكون أكثر قسوة وتعقيدًا من كل ما سبق. الحرب التي عاشها السوريون بكل ويلاتها، بكل الدم والخراب والتهجير والانهيار النفسي والاجتماعي، قد تبدو أمامها مجرد مقدمات، أو كما يقال “مقبلات”، إذا انفجر الصدام داخل النسيج الاجتماعي نفسه، لا بين جبهات واضحة بل بين أبناء البيت الواحد.
والأخطر أن بعض قرارات الحكومة الانتقالية، بدل أن تُطمئن الناس وتعيد بناء الثقة الوطنية، تبدو أحيانًا وكأنها تفتح الباب لهذا النوع من الإقصاء الناعم أو الصلب، سواء عبر غياب التوازن، أو ضعف الحس الوطني الجامع، أو التساهل مع خطاب الكراهية حين يصدر من جماعات محسوبة على “المنتصرين”. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين تتحول الدولة من مظلة للجميع إلى أداة طمأنة لفئة وخوف لبقية الفئات.
للتوضيح دون مواربة، فإن “جماعة أحمدنا” تقف، فكريًا وسلوكيًا، على يمين كثير من الجماعات المتطرفة السورية. بل ربما هي، في بعض وجوهها، أكثر تصلبًا من بعض التنظيمات التي عُرفت تاريخيًا بالتشدد، وربما تقف حتى على يمين هيئة تحرير الشام نفسها في بعض تجليات خطابها الاجتماعي والثقافي. أما من حيث الحقد الكامن وخطاب الكراهية والتحريض على المختلف، فلا يكاد يجاريها إلا تنظيم داعش، إن لم تكن قد نافسته بالنقاط، ولم تتجاوزه فقط لأن الظروف لم تمنحها ذات الأدوات.
هذا ليس اتهامًا انفعاليًا، بل توصيف لخطاب يرى في النساء مشروع رقابة، وفي الأقليات مشروع شبهة، وفي المثقف مشروع خيانة، وفي المختلف مذهبيًا مشروع خصومة، وفي المعترض السياسي مشروع عدو. خطاب لا يبني دولة، بل يبني سجونًا معنوية قبل أن يبني سجونًا حقيقية.
ولهذا، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالصمت، ولا بالمجاملة، ولا بالخوف من اتهامات جاهزة من نوع “معاداة الدين” أو “الوقوف ضد الثورة” أو “الطعن في الهوية”. بل تكون عبر مشروع وطني واضح، يعيد تعريف سورية باعتبارها وطنًا لجميع أبنائها، لا مزرعة فكرية لفئة تزعم امتلاك مفاتيح السماء والأرض معًا.
أول ما يجب فعله هو ترسيخ مفهوم المواطنة فوق كل انتماء فرعي، بحيث يكون معيار الانتماء إلى الدولة هو القانون والحقوق والواجبات، لا درجة التدين ولا الخلفية الطائفية ولا القرب من الجماعة الغالبة. فلا دولة تنجو إذا أصبحت العقيدة الشخصية معيارًا للحقوق العامة.
ثانيًا، يجب تجريم خطاب الكراهية بشكل واضح وصريح، لا باعتباره رأيًا سياسيًا، بل باعتباره تهديدًا مباشرًا للسلم الأهلي. فحين يصبح التحريض على الآخر جزءًا من الخطاب اليومي، فإن العنف لا يكون احتمالًا بل نتيجة مؤجلة.
ثالثًا، لا بد من إصلاح المؤسسة التعليمية والثقافية، لأن التطرف لا يولد فجأة، بل يُزرع عبر سنوات من التربية الأحادية، والتلقين، وإلغاء العقل النقدي. المدرسة التي لا تعلّم احترام الاختلاف، تخرّج مشروع متطرف حتى لو حمل صاحبه شهادة في التسامح.
رابعًا، يجب أن تتحمل النخب الدينية مسؤوليتها الأخلاقية، عبر مواجهة هذا الغلو من داخل المرجعية نفسها، لأن ترك الساحة للمتشددين كي يحتكروا الحديث باسم الدين هو خيانة للدين نفسه قبل أن يكون خيانة للمجتمع.
خامسًا، على الحكومة الانتقالية أن تدرك أن الشرعية لا تُبنى بالقوة ولا بشعور الغلبة، بل بالعدالة والطمأنة والشراكة. وكل قرار يُشعر جزءًا من السوريين بأنهم غرباء في وطنهم هو مساهمة مباشرة في صناعة الانفجار القادم.
سورية اليوم لا تحتاج منتصرين جدداً، بل تحتاج عقلاء. لا تحتاج من يرفع إصبعه في وجه الناس، بل من يمد يده لبناء عقد اجتماعي جديد. لا تحتاج من يوزع صكوك الوطنية والإيمان، بل من يفهم أن الوطن لا يقوم إلا حين يشعر الجميع أنهم شركاء فيه لا رعايا عند أحد.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل هذا الخراب، هو أن نعيد إنتاج الاستبداد نفسه، ولكن هذه المرة باسم الفضيلة. وأن نستبدل طغيان السلطة بطغيان الجماعة. وأن نكتشف متأخرين أن الذين ظنوا أنفسهم حراس الخلاص، كانوا في الحقيقة حرّاس الكارثة القادمة.