
حين يصبح الغياب موقفاً... لماذا لم يذهب الشرع إلى قمة السبع؟
في السياسة، لا يكون الحضور دائماً هو الرسالة الأقوى، وأحياناً يتحول الغياب نفسه إلى موقف مكتمل الأركان. من هنا يمكن قراءة قرار الرئيس السوري أحمد الشرع عدم المشاركة في قمة مجموعة السبع التي استضافتها فرنسا، رغم ما حملته الدعوة من دلالات سياسية ورمزية مهمة لسوريا الجديدة بعد سنوات طويلة من العزلة والصراع.
كثيرون كانوا ينتظرون صورة تجمع الرئيس السوري بقادة الدول الكبرى، باعتبارها إعلاناً إضافياً عن عودة دمشق إلى المسرح الدولي. غير أن ما حدث كان مختلفاً؛ إذ فضّل الشرع البقاء في دمشق، تاركاً المجال واسعاً أمام التأويلات والتساؤلات.
قد يكون السبب مرتبطاً بملفات الداخل التي ما زالت تتطلب جهداً استثنائياً. فسوريا الخارجة من سنوات الحرب والانهيار لا تواجه تحديات دبلوماسية فحسب، بل تقف أمام استحقاقات إعادة بناء الدولة ومؤسساتها واقتصادها، وهي ملفات لا تحتمل التأجيل أو الانشغال بالمظاهر البروتوكولية مهما كانت أهميتها.
وفي المقابل، لا يمكن استبعاد احتمال أن تكون هناك اعتبارات سياسية أعمق. فالعلاقات الدولية لا تُبنى على الصور التذكارية وحدها، وإنما على تفاهمات واضحة ومصالح متبادلة واحترام متكافئ للسيادة الوطنية. وإذا كان القرار نابعاً من رفض أي شروط أو إملاءات تمس القرار السوري المستقل، فبصراحة تُحسب له. فالدول تُقاس أحياناً بقدرتها على قول "لا" بالقدر نفسه الذي تُقاس فيه بقدرتها على الانفتاح والحوار.
لقد عاشت سوريا خلال العقود الماضية مراحل صعود وهبوط، وانتصارات وانكسارات، حتى أصبح كثير من السوريين يتعاملون مع أي خطوة سياسية بشيء من الحذر والشك. وبعد كل ما مرّ بنا من تحولات كبرى، صرنا نشك بأنفسنا قبل أن نشك بالآخرين. لذلك فإن أي قرار سيادي حقيقي يُتخذ انطلاقاً من المصلحة الوطنية لا من الضغوط الخارجية، يستحق التوقف عنده والتأمل في دلالاته.
اللافت أن دمشق لم تغلق الباب أمام العالم، بل على العكس، هي تمضي في مسار انفتاح متدرج ومدروس. لكنها تبدو حريصة على أن يكون هذا الانفتاح قائماً على الندية لا التبعية، وعلى الشراكة لا الاستعراض. وهذا ما يجعل غياب الشرع عن القمة أكثر إثارة للاهتمام من حضوره، لأن الأسئلة التي أثارها القرار ربما كانت أبلغ من أي خطاب كان يمكن أن يُلقى هناك.
وفي عالم السياسة، ليست كل المقاعد الفارغة علامة غياب، فبعضها يتحول إلى رسالة كاملة. وبينما انشغلت عدسات المصورين بمن حضروا القمة، بقيت الأنظار معلقة بمن لم يحضر. فالمشهد لم يكن مجرد رحلة أُلغيت أو دعوة لم تُلبَّ، بل قراراً أثار من الأسئلة أكثر مما قدم من الأجوبة.
قد تكشف الأيام القادمة ما جرى خلف الكواليس، وقد تبقى بعض التفاصيل بعيدة عن الأضواء. لكن المؤكد أن السياسة ليست فن الظهور الدائم، بل فن اختيار اللحظة المناسبة للظهور واللحظة المناسبة للغياب. وإذا كان قرار عدم المشاركة قد صدر بالفعل من حسابات وطنية وسيادية خالصة، فإن الرسالة وصلت بوضوح: سوريا تريد العودة إلى العالم، ولكن وفق شروطها هي، لا وفق ما يرسمه الآخرون لها. وعندها لن يكون المقعد الذي بقي شاغراً في قاعة القمة دليلاً على غياب سوريا، بل شاهداً على حضور إرادتها.