--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يصبح الخبز سؤالًا عامًا… ويُختَزَل الوطن في صراع على الصوت لا على الحقيقة

Salah Kirata • ١٧‏/٤‏/٢٠٢٦

23940.jpg

حين يصبح الخبز سؤالًا عامًا… ويُختَزَل الوطن في صراع على الصوت لا على الحقيقة:

في لحظات الأزمات الكبرى، لا يعود الشارع بحاجة إلى تفسير طويل ليُفهم. الجوع لا يحتاج إلى بيان سياسي، وانقطاع الخدمات لا يُبرَّر بخطاب أيديولوجي، وتآكل القدرة على العيش لا يُغطّى بشعارات. عندما يخرج الناس، فإنهم في جوهرهم لا يطلبون أكثر من حقٍ بسيط: حياة تحفظ كرامتهم قبل أن تطلب صبرهم.

من الطبيعي، بل من البديهي، أن يرفع السوريون أصواتهم مطالبين بالخبز، بالكهرباء، بفرص العيش الكريم، وبمحاسبة كل من ساهم في نهب مؤسسات الدولة أو تحويلها إلى أدوات نفوذ ومصالح. هذه ليست ترفًا سياسيًا، ولا نزعة فوضوية، بل تعبير مباشر عن اختناق اجتماعي واقتصادي طال أمده حتى أصبح الصمت نفسه شكلاً من أشكال الألم.

لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن أي حراك شعبي واسع يصبح عرضة للتشويه والاختراق. تظهر في الهوامش محاولات لركوب الموجة، أو توجيهها نحو العنف أو الاستفزاز أو رفع شعارات تُضعف وحدة الرسالة الأصلية. هذه الظواهر موجودة في كل المجتمعات، ولا تُلغي أصل الحدث ولا جوهره، لكنها تستدعي الوعي لا التعميم، والمعالجة لا التخوين.

الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود هذه الانحرافات، بل في تحويلها إلى ذريعة شاملة لنزع الشرعية عن صوت الناس. حين يُختزل المحتج بأنه “مشبوه” أو “خائن” أو “محرّض”، يصبح النقاش من الاقتصاد والحقوق إلى معركة هوية تُغلق فيها كل أبواب الفهم. وهنا تحديدًا تبدأ الفتنة: عندما يُستبدل الحوار بالتخوين، والمحاسبة بالتعميم، والحقائق بالانطباعات المسبقة.

كما أن أي سلوك عنيف أو اعتداء على المتظاهرين، أو تقييد لحقهم في التعبير السلمي، لا يمكن تبريره تحت أي عنوان. كسر الهواتف، تمزيق اللافتات، أو استخدام القوة ضد أشخاص يطالبون بحقوق معيشية، جميعها ممارسات تضر بالمجتمع قبل أن تضر بالحدث نفسه، وتعيد إنتاج نفس العقلية التي يُفترض تجاوزها، لا إعادة تدويرها بأسماء مختلفة.

في المقابل، تبقى وحدة البلاد ورفض الانزلاق نحو الانقسام الحقيقي هي القاعدة الأهم. فالشعارات التي تؤكد على أن الوطن يتسع للجميع ليست مجرد عبارات عاطفية، بل ضرورة وجودية في سياق هشّ ومعقّد. الناس لا تختلف على حب البلد، بل على تعريف العدالة داخله، وعلى آليات توزيع الكرامة والفرص.

أما الفساد، والمحسوبيات، وبيع النفوذ، فهي ليست اتهامات فضفاضة حين تُناقش بجدية، بل ملفات جوهرية في أي دولة تبحث عن استقرار حقيقي. تجاهلها لا يُسكت الأزمة، بل يؤجل انفجارها فقط. والمحاسبة، حين تكون عادلة وشفافة، هي وحدها التي تعيد الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

وفي النهاية، لا يمكن لأي طرف أن يحتكر الوطنية أو يوزعها على مقاسه. ولا يمكن لأي خطاب، مهما كان صاخبًا، أن يُلغي حقيقة بسيطة: أن الناس لا تخرج من فراغ، ولا تطالب بالعيش إلا حين يصبح العيش نفسه معركة يومية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه اللحظات هو أن يتحول المجتمع إلى معسكرات متقابلة، كلٌ منها يظن أنه يملك الحقيقة وحده. بينما الحقيقة، غالبًا، تكون أبسط وأقسى في آن واحد: أن هناك شعبًا يريد أن يعيش بكرامة، ودولةً يجب أن تُستعاد من أيادي الفساد، لا من خلال كسر بعضها البعض، بل من خلال إصلاحها.

الوطن لا يُبنى بالصوت الأعلى، بل بالعدالة التي تُنهي الحاجة إلى الصراخ من الأساس.