
حين يصبح التاريخ صنمًا:
ليست الأمم المتقدمة تلك التي تمتلك تاريخًا نقيًا، فالتاريخ الإنساني كله تقريبًا كُتب بالحروب والدماء والتوسع والعنف. لا توجد حضارة كبرى خرجت من رحم المثاليات الخالصة، ولا إمبراطورية قامت دون قهر أو إخضاع أو استغلال. الفرق الحقيقي بين المجتمعات لا يكمن في ماضيها، بل في الطريقة التي تنظر بها إلى ذلك الماضي.
هناك شعوب وصلت إلى مرحلة من النضج الحضاري جعلتها قادرة على التعامل مع تاريخها بوصفه مادة للفهم والنقد، لا موضوعًا للتقديس والعبادة. في أوروبا مثلًا، لم يعد التاريخ الوطني مجرد سلسلة أمجاد تروى للأجيال باعتبارها بطولات مطلقة، بل أصبح أيضًا مساحة للمراجعة الأخلاقية والاعتراف بالفظائع. ألمانيا الحديثة لم تبنِ هويتها على تمجيد النازية، بل على إدانتها المستمرة وتحويلها إلى درس أخلاقي وسياسي. وفي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تتواصل النقاشات حول الاستعمار والعبودية والعنصرية، وتُعاد قراءة الشخصيات التاريخية بعيدًا عن الصورة البطولية المطلقة.
صحيح أن هذه المجتمعات لا تزال تمارس قدرًا من الانتقائية والنفاق أحيانًا، وما زالت بعض الجرائم الاستعمارية تُخفف أو تُبرر ضمنيًا، لكن الفارق الجوهري أنها فتحت الباب للنقد أصلًا، ولم تجعل الماضي منطقة محرمة على العقل.
في المقابل، لا يزال جزء واسع من العالم الإسلامي يتعامل مع تاريخه بوصفه تاريخًا مقدسًا، لا يجوز الاقتراب منه إلا بروح التبجيل. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليس في وجود العنف داخل التاريخ الإسلامي، فهذا أمر طبيعي قياسًا بكل الإمبراطوريات القديمة، بل في تحويل ذلك العنف إلى فضيلة أخلاقية مرتبطة بالدين ذاته.
فأي قراءة نقدية للفتوحات أو الحروب أو الصراعات الداخلية تُستقبل غالبًا باعتبارها هجومًا على العقيدة، رغم أن كثيرًا من الوقائع المثيرة للجدل موجودة أصلًا في كتب التراث الإسلامي نفسها. الحديث عن السبي، أو الغنائم، أو فرض الجزية، أو قتل المعارضين، يتحول بسرعة إلى منطقة حساسة، وكأن مجرد الاعتراف بحدوث هذه الأمور يهدد الدين كله.
وهنا يحدث خلط خطير بين الدين باعتباره منظومة روحية وأخلاقية، وبين التاريخ السياسي للمسلمين باعتباره تجربة بشرية تخضع للنقد والخطأ والمصالح والصراع على السلطة. فالجيوش التي خرجت من الجزيرة العربية وأسست دولة واسعة كانت، في النهاية، جيوشًا بشرية تتحرك ضمن منطق العصر القديم: توسع، حرب، غلبة، ضرائب، وغنائم. وهذا لا يختلف كثيرًا من حيث البنية التاريخية عن الإمبراطوريات الفارسية أو الرومانية أو المغولية أو الأوروبية لاحقًا.
لكن الإشكال يبدأ حين يُطلب من الناس النظر إلى تلك الوقائع باعتبارها مثالية أخلاقيًا بصورة مطلقة، أو حين يُقدَّم القادة العسكريون بوصفهم نماذج فوق النقد مهما ارتبطت سيرهم بالعنف والقتل. فليس كل ما وقع في التاريخ يمكن الدفاع عنه أخلاقيًا فقط لأنه حدث تحت راية دينية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي الحذر من الوقوع في المبالغة المعاكسة. فبعض الخطابات الحديثة تتعامل مع التاريخ الإسلامي وكأنه استثناء فريد في الوحشية، وهذا أيضًا طرح غير علمي. فالعالم القديم كله كان قائمًا على منطق الفتح العسكري، ولم تكن مفاهيم حقوق الإنسان أو القانون الدولي أو المواطنة الحديثة موجودة أصلًا. كما أن كثيرًا من الشعوب التي دخلت تحت الحكم الإسلامي اندمجت لاحقًا في الحضارة الإسلامية وأسهمت في بنائها ثقافيًا وعلميًا وإداريًا، ولم تكن العلاقة دائمًا علاقة إبادة أو محو كامل كما يصورها بعض الخطاب العدائي المعاصر.
بل إن بعض الفتوحات الإسلامية، مقارنة بإمبراطوريات أخرى في زمنها، اتسمت أحيانًا بدرجات أقل من التدمير أو الإقصاء الديني، وهذا أمر يذكره حتى بعض المؤرخين غير المسلمين. لكن الاعتراف بهذه الجوانب لا يبرر إنكار الجوانب المظلمة، كما أن وجود إنجازات حضارية لاحقة لا يمحو حقيقة أن الحروب القديمة كانت قاسية بطبيعتها.
المشكلة إذن ليست في التاريخ نفسه، بل في علاقتنا به. فحين يتحول الماضي إلى مرجعية مقدسة غير قابلة للنقد، يصبح العقل أسيرًا له. وعندما يُربى الناس على أن كل ما فعله الأسلاف كان صوابًا مطلقًا، فإنهم يفقدون القدرة على تطوير منظومة أخلاقية مستقلة عن العصبية الدينية أو التاريخية.
التقدم يبدأ عندما تدرك المجتمعات أن الاعتراف بالأخطاء لا يعني خيانة الهوية، وأن نقد الشخصيات التاريخية لا يعني الكفر بالمقدسات، وأن التفريق ضروري بين الإيمان كقيمة روحية، وبين التاريخ كفعل بشري مليء بالتناقضات.
فلا توجد أمة تتقدم وهي تحمل تاريخها فوق رأسها كتمثال مقدس. الأمم الحية تدرس ماضيها لتفهمه، لا لتسجد له. وتتعلم من أخطاء أسلافها بدل أن تحولها إلى بطولات أبدية. أما المجتمعات التي تخلط بين القداسة والتاريخ، فإنها غالبًا تبقى عالقة داخل سرديات قديمة، تعيد إنتاج صراعات الأمس بعقلية اليوم، ثم تتساءل لماذا تأخر بها الزمن.