
حين يصبح تصحيح المسار واجبًا وطنيًا لا يحتمل التأجيل:
لم تعد الدعوة إلى تصحيح المسار في سورية ترفًا سياسيًا أو خطابًا عابرًا، بل أصبحت ضرورة وطنية ملحّة تفرضها تضحيات السوريين وآلامهم الممتدة على مدار سنوات طويلة. فالشعب الذي خرج مطالبًا بالحرية والكرامة لا يمكن أن يقبل بأن تتحول آماله إلى مسارات مشوشة أو ممارسات تعيد إنتاج الظلم بأشكال مختلفة.
إن أول اختبار حقيقي لأي مرحلة جديدة يكمن في كيفية التعامل مع إرث المرحلة السابقة، خصوصًا ما يتعلق بالثروات والأملاك العامة. فهذه ليست غنائم تُوزّع، بل حقوقٌ جماعية يجب أن تُدار بشفافية وعدالة، بما يضمن توظيفها في خدمة المواطنين جميعًا، لا في تكريس امتيازات لفئة دون أخرى. إن أي انحراف في هذا الملف يضرب جوهر فكرة الدولة ويقوّض الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
ولا يقلّ عن ذلك أهميةً مسار العدالة، الذي يفترض أن يكون جامعًا ومنصفًا، لا انتقائيًا أو خاضعًا للاعتبارات الضيقة. العدالة التي تُبنى على معايير مزدوجة تفقد معناها، وتتحول إلى عامل انقسام بدل أن تكون مدخلًا للمصالحة الوطنية الحقيقية. فكل ضحية تستحق الإنصاف، وكل جرح يحتاج إلى اعتراف ومعالجة عادلة.
وفي قلب هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى خطاب صريح وواضح مع الناس. فالشعب الذي دفع أثمانًا باهظة لا يريد وعودًا فضفاضة، بل سياسات شفافة تستمع إلى معاناته وتتعامل معها بجدية ومسؤولية. إن غياب المصارحة يفتح الباب أمام الشكوك، بينما يشكّل الصدق أساسًا لأي عقد اجتماعي جديد.
أما على المستوى المعيشي، فقد تحولت حياة السوريين إلى صراع يومي مع الغلاء وتدهور الخدمات الأساسية. من الكهرباء إلى الخبز، ومن الاتصالات إلى المحروقات، تتراكم الأعباء بشكل يرهق الناس ويهدد استقرارهم. معالجة هذه الملفات لم تعد خيارًا، بل أولوية لا تحتمل التسويف، لأنها تمسّ كرامة الإنسان في أبسط تفاصيل حياته.
وفي سياق بناء الدولة، لا يمكن تجاهل من حملوا راية الانشقاق ووقفوا في وجه الظلم، خصوصًا الضباط الذين دفعوا أثمانًا شخصية ومهنية كبيرة. إنصاف هؤلاء ليس مجرد تكريم رمزي، بل هو خطوة ضرورية لترسيخ مفهوم الوفاء والتقدير، وإعادة الاعتبار لمن اختاروا الوقوف إلى جانب شعبهم.
كذلك، فإن مراجعة القوانين الجائرة التي طالت الملكيات الخاصة تمثل مدخلًا أساسيًا لاستعادة الثقة. فلا يمكن الحديث عن عدالة أو استقرار في ظل تشريعات تُشعر المواطن بأنه مهدد في بيته وأرضه. إعادة الحقوق إلى أصحابها يجب أن تكون جزءًا من رؤية أوسع لإعادة بناء الدولة على أسس عادلة.
ولا يكتمل هذا المسار دون رؤية منصفة لإعادة الإعمار، تضع الإنسان في مقدمة الأولويات. فالأحياء المدمرة ليست مجرد حجارة، بل ذاكرة وحياة يجب أن تُعاد لأصحابها دون تحميلهم أعباء تفوق قدرتهم. العدالة هنا ليست فقط في البناء، بل في الطريقة التي يُعاد بها بناء ما تهدّم.
كما أن أسر الضحايا والمفقودين تمثل جرحًا مفتوحًا في الجسد السوري، ولا يمكن لأي مشروع وطني أن يتجاهل معاناتها. إنصاف هذه الفئات، ماديًا ومعنويًا، هو جزء من الوفاء لتضحياتها، ومن بناء مجتمع لا ينسى أبناءه.
وفي موازاة ذلك، يبقى الفساد والمحسوبيات من أخطر ما يهدد أي تجربة جديدة. فاستبدال نظام بآخر لا يكفي إذا بقيت نفس العقليات تُدير المشهد. الكفاءة يجب أن تكون المعيار الوحيد، والشفافية هي الضامن الحقيقي لأي إصلاح.
وأخيرًا، فإن مأساة النازحين واللاجئين تمثل اختبارًا إنسانيًا وأخلاقيًا لا يمكن تجاوزه. هؤلاء ليسوا أرقامًا في تقارير، بل بشر يستحقون حياة كريمة، وحلولًا حقيقية تُنهي معاناتهم المستمرة منذ سنوات.
إن تصحيح المسار لا يعني الهدم أو الصراع، بل هو فعل مسؤول يهدف إلى حماية الوطن من الانزلاق نحو مزيد من الأزمات. فالوحدة الوطنية لا تُبنى على الصمت عن الأخطاء، بل على الجرأة في معالجتها. وبين الخوف من الانقسام وضرورة الإصلاح، يبقى الخيار واضحًا: وطنٌ يُبنى على العدالة، أو واقعٌ يعيد إنتاج المأساة.