
حين يسقط الاستبداد ولا تسقط ذاكرة الجريمة؟!.
بقلم:
د.صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
ليس سقوط الأنظمة الاستبدادية في التاريخ لحظة نهاية، بل بداية اختبار أصعب:
- ماذا يحدث للحقيقة عندما ينهار جهاز القمع؟..
- وهل تنتقل السلطة من يد إلى يد، أم تنتقل معها أيضًا مسؤولية حفظ الذاكرة ومنع ضياع الأدلة التي تُثبت ما جرى؟..
ما يظهر من تسريبات ومشاهد مرتبطة بسجن صيدنايا يفتح سؤالًا أكبر من حدود الصدمة أو الجدل اللحظي، فالمسألة لا تتعلق فقط بتاريخ مكانٍ ارتبط بالعنف الشديد، بل بكيفية إدارة لحظة الانهيار نفسها، وكيف يمكن لدولة أو سلطة أو قوة أمر واقع أن تتعامل مع إرث ضخم من الملفات الأمنية، والسجلات، والشهادات، والضحايا...
في التجارب التي شهدت انهيار أنظمة قمعية، يتضح أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط توقف القمع، بل فقدان البنية التي كانت توثّق القمع ذاته، فالأرشيف في مثل هذه الحالات لا يكون مجرد أوراق، بل هو ذاكرة جماعية، ومفتاح قانوني وأخلاقي لفهم ما جرى:
"من أصدر القرار، من نفّذ، كيف جرت الوقائع، وأين اختفت آثار الضحايا"...
وعندما يُترك هذا الأرشيف دون حماية أو إدارة مهنية مستقلة، تتحول لحظة التحول السياسي إلى فوضى معرفية، تختلط فيها الحقيقة بالشائعة، والشهادة بالتضليل، وتضيع معها حقوق لا يمكن تعويضها بسهولة، عندها لا يخسر المجتمع الماضي فقط، بل يخسر أيضًا إمكانية العدالة في المستقبل...
في مثل هذه اللحظات الحساسة، لا يكفي فتح الأبواب أو إطلاق سراح المعتقلين، فخروج الإنسان من السجن لا يعني انتهاء معاناته، هناك طبقات أخرى من الألم تحتاج إلى معالجة فورية:
" الرعاية الطبية، الدعم النفسي، توثيق الشهادات، حماية الناجين من الاستغلال أو التوظيف السياسي، وربطهم بمسار قانوني واضح يضمن ألا يتحولوا إلى مجرد رموز إعلامية عابرة".
المشكلة الجوهرية ليست في تغيير من يمسك بالمكان أو الملف، بل في استمرار التعامل مع الإنسان والذاكرة كغنيمة صراع، حين يحدث ذلك، تتحول العدالة من هدف إلى شعار، وتصبح الحقيقة عرضة لإعادة التشكيل وفق ميزان القوة، لا وفق ميزان الوقائع...
سجن صيدنايا يا" سادة "...
وغيره من مراكز الاحتجاز في أي سياق مشابه، ليس مجرد بنية مادية يمكن تفكيكها بسهولة، بل هو عقدة تاريخية تمثل طبقة من الذاكرة الوطنية، بكل ما فيها من ألم وأسئلة مفتوحة، لذلك فإن إدارة ما بعد الانهيار تتطلب عقلية مؤسساتية باردة، لا انفعالية، تقوم على التوثيق الصارم، والحماية القانونية، والاستعانة بجهات مستقلة كلما أمكن، لضمان ألا تُدفن الحقيقة مرة ثانية تحت ركام السياسة الجديدة...
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات الخارجة من الاستبداد هو الاعتقاد بأن إسقاط السلطة وحده يكفي، إلا أن التجربة تقول إن العدالة ليست نتيجة تلقائية للسقوط، بل مشروع مستقل يحتاج إلى إرادة وتنظيم وضبط نفسي وسياسي شديد...
لذلك، فإن الحفاظ على الأرشيف، وحماية الشهادات، وتوثيق الانتهاكات، ليست تفاصيل ثانوية، بل هي جوهر المرحلة الانتقالية إن كان الهدف الحقيقي هو بناء نظام مختلف، لا إعادة إنتاج أشكال جديدة من النسيان...
في النهاية:
لا قيمة لأي تغيير سياسي إذا تُركت الحقيقة تتبخر في الفوضى، فالتحرر لا يُقاس فقط بزوال القيد، بل بقدرة المجتمع على مواجهة ماضيه دون تشويه أو إنكار أو استغلال، وبقدرته على تحويل الألم إلى معرفة، لا إلى مادة صراع جديدة...
ملاحظة:
ما أشرت له اعلاه في مقالي يحذر لدي ما كنت قد قلته فجر يوم ٨ / ١٢ / ٢٠٢٤ على قناة France-24 أن ماحدث هو اشكالي بامتياز ولا يعني بحال من الأحوال اختلال ميزان القوة ووقوع فعلي الانتصار والهزيمة، أن ماحدث لايعدو أن يكون تنفيذ لارادات دولية التقت على أن بقاء النظام السوري السابق صار مكلفا أكثر من رحيله، وهذا تم التوصل إليه بعد نقاشات وحوارات ومفاوضات ومقايضات وتفاهمات مما لاحظناه ويؤكد ما قلته في اسطري الأخيرة :
- تأمين الخروج الهاديء والأمن لبشار الاسد مع ٥٥ ضابط من أركان حكمه حاملين محملين بما غلى ثمنه وخف وزنه...
- وجاءت تسريبات ماحدث في سجن صيدنايا من العبث بالارشيف والوثائق يدلل أن هناك تفاهم على إتلاف ما يمكن إتلافه من أدلة على ارتكاب فظائع بهذا السجن في عهدي الأسد الأب والولد .