--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يسقط المركز… تتفكك شبكة الفوضى

Salah Kirata • ٢٦‏/٣‏/٢٠٢٦

15785.jpg

 حين يسقط المركز… تتفكك شبكة الفوضى:

ليس سقوط الأنظمة حدثاً عادياً في التاريخ، لكنه في بعض الحالات لا يكون مجرد تغيير في السلطة، بل لحظة انهيار لمنظومة كاملة من النفوذ والوظائف. هكذا يبدو الحديث عن سقوط النظام الإيراني: ليس كتحول داخلي، بل كنقطة انكسار إقليمية تتداعى بعدها شبكة ممتدة من الأذرع والأدوار.

على مدى عقود، لم يكن النفوذ الإيراني محصوراً في حدوده الجغرافية، بل تمدد ليصنع واقعاً موازياً في أكثر من دولة. واقع يقوم على فكرة بسيطة وخطيرة في آن واحد: إضعاف الدولة لصالح الجماعة، وإحلال السلاح محل المؤسسات، وتحويل الأيديولوجيا إلى أداة تعبئة دائمة. ومن هنا، لم تكن الفوضى في الإقليم صدفة، بل نتيجة.

حين يسقط هذا المركز، فإن أول ما يتصدع هو هذا البناء غير المتماسك أصلاً. الجماعات التي نشأت على التمويل والتوجيه تفقد بوصلتها، والشبكات التي عاشت على اقتصاد الظل تبدأ بالانكماش. هنا تحديداً، لا يعود الحديث نظرياً عن نهاية الميليشيات، بل عن واقع يفقد فيه السلاح غير الشرعي مبرر وجوده، ويفقد الغطاء الذي كان يمنحه شرعية زائفة.

ومع هذا التصدع، تتراجع ظواهر ارتبطت عضوياً بهذه المنظومة: تهريب العملة، غسل الأموال، تجارة المخدرات، واستنزاف الموارد الوطنية. لم تكن هذه مجرد جرائم منفصلة، بل كانت جزءاً من اقتصاد موازٍ يُغذي نفسه بالفوضى ويحميها في الوقت ذاته. وعندما يختل هذا التوازن، تبدأ الدولة باستعادة سيطرتها الطبيعية على حدودها ومواردها.

الأثر لا يقف عند الاقتصاد والأمن، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية نفسها. الطائفية التي استُخدمت كأداة تعبئة، تفقد زخمها حين يتراجع من يغذيها ويستثمر فيها. وعسكرة المجتمعات، التي حوّلت الأفراد إلى وقود دائم للصراع، تبدأ بالانحسار عندما تتوقف قنوات التجنيد القائمة على الفقر والخوف والشعارات.

سياسياً، تتغير قواعد اللعبة. ينحسر الابتزاز باسم “المقاومة”، وتتراجع قدرة أي طرف على فرض إرادته خارج إطار الدولة. الاغتيالات الممنهجة، استهداف البعثات الدبلوماسية، وخنق القرار السيادي… كلها أدوات تفقد فعاليتها حين تفقد مصدر قوتها. وهنا تظهر فرصة نادرة: عودة السياسة إلى مسارها الطبيعي، كمساحة تفاوض لا كساحة تصفية حسابات.

لكن الأهم من كل ذلك هو ما يفتح الباب له هذا التحول. فمع تراجع تصدير الأزمات إلى دول الجوار، يصبح بالإمكان الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الاستقرار. من تعطيل التنمية إلى إطلاقها. من استنزاف الطاقات إلى استثمارها. وهنا تبدأ المرحلة الأصعب: إعادة بناء ما تهدم.

في دول مثلا العراق واليمن ولبنان، لا يكفي غياب العامل الخارجي لقيام الدولة، لكنه شرط أساسي. فحين تتوقف التدخلات التي تعطل بناء الجيوش الوطنية، وتُفرغ المؤسسات من مضمونها، يمكن للدولة أن تبدأ من جديد: جيش واحد، قرار واحد، وسيادة لا تُجزأ.

عندها فقط، يمكن أن تتحول “النهايات” التي طال الحديث عنها إلى “بدايات” حقيقية: بداية استعادة هيبة القانون، بداية الاستقرار الإقليمي، وبداية إعادة إعمار لا تقوم على الإسمنت فقط، بل على إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

إن سقوط نظام بهذا الحجم — إن حدث — لن يكون مجرد خبر سياسي عابر، بل لحظة مفصلية تعيد رسم الخريطة. لحظة تنتقل فيها المنطقة من زمن الفوضى المُدارة إلى اختبار الدولة الممكنة.

والسؤال الذي سيبقى بعد كل ذلك: هل نحن مستعدون لملء الفراغ بدولة… أم سنتركه لفوضى جديدة بأسماء مختلفة؟