
حين يتحوّل الغلاء إلى بنية دائمة للأزمة
لم يعد ارتفاع الأسعار في سوريا حدثاً عابراً يمكن تفسيره بمواسم الطلب أو بتقلّبات ظرفية في السوق. ما نعيشه اليوم أقرب إلى نمط اقتصادي كامل تشكّل عبر سنوات من الاختلالات المتراكمة، حتى صار الغلاء جزءاً من المشهد اليومي، يحدّد طريقة عيش الناس، وخياراتهم، وحدود أحلامهم. المشكلة هنا ليست في الرقم الذي يتبدّل على بطاقة السعر، بل في البنية التي جعلت هذا التبدّل اتجاهاً ثابتاً لا يتوقف.
جوهر الأزمة أن الاقتصاد بات أسير الاستيراد في معظم مفاصله الحيوية، من الغذاء إلى مستلزمات الإنتاج. حين يعتمد بلدٌ بهذا الشكل على الخارج لتأمين احتياجاته الأساسية، يصبح تلقائياً رهينة لتقلّبات أسعار الصرف، واضطرابات سلاسل التوريد، وكلفة التمويل، والعقوبات، وكل عامل خارجي لا يملك السيطرة عليه. ومع اختناق قنوات التمويل وشح السيولة في الداخل، تتجمّد القدرة على الحركة الاقتصادية، فينشأ مزيج خانق: ركود في النشاط يقابله ارتفاع مستمر في الأسعار. النتيجة ليست مجرد ضيق معيشي، بل اقتصاد مشلول يدفع المجتمع كله ثمنه.
هذا الواقع لا ينعكس على موائد الناس فقط، بل يعيد تشكيل الخريطة الاجتماعية. تتآكل الطبقة الوسطى تدريجياً، وتتحوّل فئات واسعة إلى حافة الفقر أو ما دونه. الادخار يصبح رفاهية شبه مستحيلة، والأسواق المحلية تفقد زخمها مع تراجع القدرة الشرائية. في المقابل، يخرج منتجون صغار ومتوسطون من الدورة الاقتصادية لأن كلفة الاستمرار باتت أعلى من قدرتهم على الاحتمال، فيتقلّص العرض المحلي ويزداد الاعتماد على الخارج، وتدور الحلقة في اتجاه واحد: مزيد من الهشاشة ومزيد من الغلاء.
تداعيات هذا المشهد لا تبقى اقتصادية بحتة. الضغوط المعيشية الثقيلة تتسرّب إلى النسيج الاجتماعي والأمني: توترات داخل الأسر، ازدياد في السلوكيات الخطِرة، واتساع رقعة الهجرة غير النظامية بحثاً عن متنفس. حين يُسحب الأمل من الحياة اليومية، لا تعود الخيارات عقلانية دائماً، بل تصبح ردود فعل يائسة في كثير من الأحيان.
في مواجهة أزمة بهذا العمق، تبدو المعالجات الجزئية أشبه بمحاولة سدّ تصدّعات جدار آيل للسقوط بطلاء تجميلي. المطلوب تغيير اتجاه البوصلة الاقتصادية نفسها: معالجة حقيقية لاختلالات سعر الصرف بدل الاكتفاء بإجراءات مؤقتة، إعادة الاعتبار للإنتاج المحلي بوصفه قاعدة الاستقرار لا عبئاً إضافياً، وتصحيح ميزان التجارة عبر تقليص النزيف الاستيرادي غير الضروري. ضبط الكتلة النقدية والرقابة الفعّالة على السوق عنصران أساسيان، لكنهما بلا قيمة إن لم يتزامنا مع تحفيز الإنتاج الزراعي والصناعي، ودعم البحث والتطوير لتحسين الإنتاجية، وبناء شبكة حماية اجتماعية تخفف الصدمة عن الفئات الأضعف.
كما أن ترشيد الإنفاق العام ليس شعاراً تقشفياً فقط، بل خياراً استراتيجياً: كل ليرة تُنفق خارج مسار الإنتاج والبنية التحتية الداعمة للاقتصاد هي ليرة تُهدر فرصة خلق قيمة مضافة وفرص عمل واستقرار طويل الأمد. الاقتصاد لا يُدار بالمسكّنات، بل بإعادة ترتيب الأولويات على قاعدة واضحة: تقوية الداخل لتقليل الارتهان للخارج.
رأيي أن أي نقاش عن الغلاء يفقد معناه إذا بقي محصوراً في تبرير الأعراض بدل تفكيك المرض. الأزمة السورية اليوم بنيوية، ولا يمكن تخفيف حدّتها إلا عبر مسار طويل النفس، يعترف أولاً بعمق الاختلال، ثم يشرع في بناء اقتصاد ينتج ما يستهلكه بقدر الإمكان، ويحمي مجتمعه من السقوط الحرّ. قد يكون الطريق شاقاً وبطيئاً، لكن الاستمرار في الدوران داخل الحلقة نفسها هو الخيار الأكثر كلفة على المدى القريب والبعيد.