--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يتحوّل الوطن إلى غنيمة: من يملك الحق في تعريف الانتماء

Salah Kirata • ٣‏/٥‏/٢٠٢٦

29103.jpg

 حين يتحوّل الوطن إلى غنيمة: من يملك الحق في تعريف الانتماء؟

ليست أخطر الأزمات تلك التي تأتي من وراء الحدود، بل تلك التي تنشأ في صميم المجتمع، حين يبدأ الناس بالنظر إلى بعضهم كغرباء داخل البيت نفسه. في تلك اللحظة تحديداً، لا يعود الوطن إطاراً جامعاً، بل يتحول إلى ساحة صراع على المعنى، وعلى من يملك حق القول: من نحن؟

في سوريا، لم يكن الشرخ وليد لحظة واحدة، بل نتيجة تراكم طويل من الممارسات التي فرضت تعريفاً قسرياً للوطن، تعريفاً لا يقبل الشراكة. حين تدخل القوة المسلحة إلى المدن وهي تتصرف كسلطة مفروضة لا كجزء من المجتمع، فإن الرسالة لا تحتاج إلى شرح: هذا ليس فضاءً مشتركاً، بل مساحة خاضعة. وعندما تُدار البلاد بهذه الذهنية، يصبح الانتماء امتيازاً تمنحه السلطة، لا حقاً طبيعياً يولد مع الإنسان.

المشكلة لم تكن فقط في القمع، بل في ما هو أعمق: في تحويل الوطن إلى ملكية سياسية. السلطة لم تكتفِ بإدارة الدولة، بل سعت إلى احتكار تعريفها. من يوافقها هو “ابن البلد”، ومن يعارضها يصبح مشبوهاً، ثم خائناً، ثم خارجاً عن الجماعة. هذه ليست مبالغة، بل آلية واضحة: تبدأ بالتشكيك، وتنتهي بالإقصاء الكامل.

في المقابل، لم تكن ردود الفعل بريئة من المنطق ذاته. فمع تصاعد الصراع، بدأت أطراف من المعارضة تنظر إلى السلطة وأنصارها لا كخصوم سياسيين، بل كجسم غريب مفروض بالقوة. وهكذا تشكّلت صورة معاكسة: طرف يرى نفسه صاحب الحق المطلق، وآخر يُنزَع عنه هذا الحق. النتيجة؟ وطن يتشظى بين تعريفين متصارعين، كل منهما يلغي الآخر.

عندما يصل الأمر إلى هذا الحد، تتغير طبيعة الصراع جذرياً. لم يعد خلافاً على الحكم أو السياسات، بل أصبح نزاعاً على الشرعية الوجودية نفسها. من هو “الأصيل”؟ ومن هو “الدخيل”؟ ومن يقرر؟ هنا تحديداً تنهار فكرة الوطن كإطار جامع، لأن أساسها – أي الاعتراف المتبادل – يكون قد تآكل.

التاريخ يثبت أن الشعوب لا تنسى. الذاكرة الجماعية ليست أرشيفاً خاملاً، بل قوة حية تتوارثها الأجيال. كل تجربة إذلال، كل شعور بالإقصاء، كل لحظة تم فيها إنكار الانتماء، تترسخ وتعيد إنتاج نفسها. لذلك فإن أي محاولة لتجاوز الماضي دون الاعتراف به ليست سوى تأجيل لانفجار قادم.

بعد عام 2011، لم تُحل المشكلة، بل تفاقمت. بدل أن ينكسر احتكار تعريف الوطن، تعددت الاحتكارات. كل منطقة، كل قوة، كل فاعل، بدأ يطرح نسخته الخاصة: هذا هو الوطن، ومن لا يوافق فهو خارجه. هكذا لم ننتقل إلى التعددية، بل إلى فوضى تعريفات، تتنازعها البنادق قبل الأفكار.

الحقيقة القاسية التي يجب تسميتها دون تردد هي هذه: حين يُنكر طرف على آخر حقه في الانتماء، فهو لا يدافع عن الوطن، بل يهدمه. وحين تُختزل البلاد في لون واحد، فإنها تفقد معناها كمساحة للعيش المشترك، وتتحول إلى مشروع إقصاء دائم.

الوطن لا يُبنى بالقوة وحدها، ولا يُحمى بالشعارات، بل يُصان بالاعتراف. الاعتراف بأن المختلف ليس تهديداً بالضرورة، وأن الانتماء لا يُقاس بالولاء السياسي. أي صيغة لا تقوم على هذا الأساس ستبقى هشة، مهما بدت قوية في ظاهرها.

المأزق السوري اليوم ليس في غياب تعريف للوطن، بل في استحالة الاتفاق عليه تحت منطق الإقصاء. لا يمكن فرض هوية جامعة بالقوة، ولا يمكن بناء مستقبل على إنكار نصف المجتمع أو أكثر. هذه ليست مسألة أخلاقية فقط، بل شرط وجودي لأي استقرار حقيقي.

الخروج من هذا النفق لا يكون بتبديل طرف بآخر، ولا بإعادة إنتاج السيطرة بوجه جديد، بل بكسر القاعدة نفسها: لا أحد يملك الوطن وحده. لا سلطة، ولا معارضة، ولا أي قوة أمر واقع. من دون هذه القناعة، سيبقى كل انتصار مؤقتاً، وكل هدوء هشاً.

الوطن، في معناه الحقيقي، ليس ما تفرضه القوة، بل ما يقبل به الناس شركاء متساوين. وأي تعريف لا يتسع لهذا التعدد، ليس تعريفاً لوطن، بل وصفة مستمرة للصراع.

بكلمات واضحة: المشكلة لم تكن فقط في من حكم، بل في كيف فُهم الوطن. والحل لن يكون في تغيير الحاكم فقط، بل في إعادة تعريف الانتماء نفسه، على أساس لا يقصي أحداً. دون ذلك، سيبقى السؤال معلقاً: هل ما زال هناك وطن واحد، أم مجرد خرائط متجاورة تتنازع اسمه؟