
حين يتحول الألم إلى أداة: ما بين وجع الشارع وخفايا المشهد في سورية.
في الظاهر، تبدو الصورة مألوفة: مواطنون مثقلون بغلاء المعيشة، خدمات متراجعة، ووعود لم تتحقق بالسرعة التي انتظرها الناس بعد تحولات كبرى. هذا الغضب ليس مفاجئًا، بل مشروعًا ومفهومًا. لكن الاكتفاء بهذه القراءة السطحية قد يحجب ما هو أعمق وأكثر تعقيدًا.
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في كونه أزمة اقتصادية أو حالة احتجاج عابرة. هناك طبقات متداخلة من الوقائع، حيث يتقاطع الألم الحقيقي مع إدارة غير مرئية لهذا الألم. في هذه المنطقة الرمادية تحديدًا، تتشكل أخطر التحولات.
التاريخ يقدم لنا نماذج مشابهة. لم تكن التحولات الكبرى دائمًا نتيجة قرارات مفاجئة أو انقلابات مباشرة، بل جاءت غالبًا عبر مسارات تدريجية: تآكل الثقة، تضخيم الأخطاء، توجيه الرأي العام، واستثمار التناقضات الداخلية. ومع الوقت، تتحول هذه العناصر إلى قوة دافعة تعيد تشكيل الواقع السياسي بالكامل.
في الحالة السورية، يمكن رصد مؤشرات مقلقة لا ينبغي تجاهلها. تسريبات متكررة من داخل مؤسسات يفترض أنها مغلقة، قرارات تُتخذ دون تمهيد أو شرح كافٍ، قضايا حساسة تُطرح بطريقة تزيد الاحتقان بدل أن تخففه، وخطاب رسمي غائب أو متأخر يترك فراغًا تملؤه الشائعات والتفسيرات المتضاربة.
الأخطر من ذلك ليس وجود هذه الأخطاء بحد ذاته—فكل الدول تمر بمراحل ارتباك—بل سرعة تحويلها إلى أدوات ضغط مضاعفة. أي خلل إداري، مهما كان محدودًا، يتحول فورًا إلى قضية رأي عام مشتعلة، تُستخدم لتوسيع الفجوة بين الدولة والمجتمع. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: حين يفقد الناس القدرة على التمييز بين الخطأ الطبيعي والاستثمار المقصود في هذا الخطأ.
لا يمكن أيضًا تجاهل أن سوريا تقع ضمن بيئة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع مصالح قوى متعددة، لكل منها حساباتها وأدواتها. في مثل هذا السياق، يصبح أي فراغ داخلي—سياسي أو اقتصادي أو إعلامي—مساحة مفتوحة للاستثمار الخارجي أو الداخلي على حد سواء. وليس من الضروري أن يكون هذا الاستثمار عبر أدوات صلبة؛ بل يكفي أحيانًا توجيه المزاج العام، وتعميق الشك، وتغذية الانقسام.
في المقابل، تتحمل الدولة مسؤولية أساسية لا يمكن القفز فوقها. فضعف التواصل، وغياب الشفافية، واتخاذ قرارات تمس حياة الناس دون إشراكهم أو شرحها لهم، كلها عوامل تساهم—ولو عن غير قصد—في خلق البيئة المناسبة لهذا التوظيف. كما أن تهميش الكفاءات، أو تقديم الولاء على الكفاءة، لا يضعف الأداء فقط، بل يضرب الثقة في العمق.
المجتمع أيضًا ليس خارج المعادلة. فالغضب، مهما كان مبررًا، قد يتحول إلى أداة في يد من يجيد توجيهه إذا لم يقترن بوعي نقدي وقدرة على التمييز. المشكلة ليست في الاحتجاج، بل في الاتجاه الذي يُدفع إليه هذا الاحتجاج، والنتائج التي قد يُستخدم لتحقيقها.
في النهاية، نحن أمام مشهد مركب: وجع حقيقي لا يمكن إنكاره، وأخطاء إدارية واضحة، يقابلهما احتمال وجود من يعمل على استثمار هذا الواقع ودفعه نحو مسارات أكثر خطورة. تجاهل أي من هذه العناصر يؤدي إلى قراءة ناقصة، وربما مضللة.
الرأي الموضوعي هنا لا ينحاز إلى نظرية المؤامرة المطلقة، ولا إلى تبسيط الأمور باعتبارها مجرد أزمة معيشية. الحقيقة غالبًا تقع بين الاثنين: هناك خلل داخلي يجب الاعتراف به ومعالجته بجدية، وهناك في الوقت نفسه بيئة تسمح بتوظيف هذا الخلل بطرق قد لا تخدم استقرار البلاد.
الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على معالجة الأزمات، بل على استعادة الثقة. وهذا لا يتحقق إلا عبر وضوح أكبر، وعدالة ملموسة، وإدارة كفؤة، وخطاب صادق يضع الناس في صورة ما يجري دون مواربة. دون ذلك، سيبقى الألم قائمًا—ومفتوحًا على احتمالات لا يمكن التنبؤ بها.