
حين يتحول الألم إلى هوية…. والخطاب الإعلامي إلى وقودٍ إضافي للاحتقان:
في لحظاتٍ شديدة التعقيد من تاريخ سورية، يصبح للكلمة وزنٌ يوازي الرصاصة، وللتقرير الصحفي أثرٌ قد يفتح جرحًا أو يداويه، ومن هنا تأتي خطورة الخطاب الذي يُعمِّم الاتهام أو يُقارب المأساة بمنطق الانحياز لا بمنطق التحقق...
إن توجيه اتهامات جماعية لأي مكوّن اجتماعي، بصرف النظر عن اسمه أو خلفيته، لا يضيف إلى الحقيقة شيئًا، بل يضعفها، فالمسؤولية " إن وُجدت"هي فردية محددة، تُبنى على أدلة وتحقيقات لا على الانتماء، أما تحويل جماعة كاملة إلى “كتلة إدانة” أو “سردية تواطؤ”، فهو انزلاق من الصحافة إلى التسييس، ومن الاستقصاء إلى إعادة إنتاج الانقسام...
والأجدر بأي وسيلة إعلامية، حين تتناول ملفات حساسة تتعلق بالعنف أو الانتهاكات أو المآسي، أن تُحافظ على ثلاث قواعد أساسية:
- الدقة...
- وعدم التعميم...
- ووضع الضحايا في مركز السرد لا في موقع الاتهام...
فالضحايا "أيًّا كانوا" ليسوا مادة لتثبيت رواية سياسية، بل بشرٌ لهم دماء ومعاناة وحقوق...
وفي السياق السوري تحديدًا، حيث التراكم التاريخي للألم معقّد ومتشابك، يصبح واجب الخطاب العام هو تخفيف الاحتقان لا تأجيجه، وبناء مساحة مشتركة لا تعميق الشقوق. فالسوريون، بكل تنوعهم، عاشوا عبر عقود طويلة تحت اختبارات قاسية من الحرب والسياسة والانقسام، وما يحتاجونه اليوم ليس إعادة إنتاج منطق “الفرز”، بل إعادة بناء منطق “المواطنة”...
أما في ما يتعلق بالهوية، فاختزال أي جماعة بشرية في سردية واحدة ثابتة" سواء كانت دينية أو تاريخية أو سياسية" هو تبسيط مخلّ بالواقع، فالهويات في سورية، كما في غيرها، تشكلت عبر تفاعل طويل من الجغرافيا والتاريخ والثقافة والتجارب اليومية، ولا يمكن حصرها في قالب واحد أو تعريف أحادي...
لذا:
فإن أخطر ما يهدد المجتمعات بعد الصراعات هو انتقال لغة الحرب إلى لغة المجتمع، حين تتحول المفردات من “مواطن” إلى “خصم”، ومن “اختلاف” إلى “اتهام”، ومن “معاناة” إلى “هوية إدانة”. هنا تحديدًا تبدأ الحلقة المفرغة التي لا رابح فيها...
إن سورية اليوم أحوج ما تكون إلى خطابٍ توفيقي يضع الإنسان قبل الانتماء، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة لا الجماعات المتقابلة. خطاب يُدين الفعل لا الانتماء، ويبحث عن العدالة لا الانتقام، وعن الحقيقة لا الاصطفاف...
باختصار:
إذا كان ثمة ما ينبغي قوله في لحظة كهذه، فهو أن الإعلام ليس ساحة لتصفية السرديات، بل مساحة لبناء الحد الأدنى من الثقة بين المجتمع ونفسه، وكل كتابة تُسهم في تعميق الشرخ، حتى لو حملت عنوان الحقيقة، تفقد جزءًا من قيمتها الأخلاقية...
للعلم:
غإن حماية سورية"أرضًا ومجتمعًا"لا تكون بإعادة إنتاج خطاب الغلبة أو الثأر، بل بإعلاء لغة العقل، وترسيخ مبدأ المواطنة، والتوقف عن تحميل الناس أوزار التاريخ أو صراعات السياسة...
فالأرض التي أنهكتها النار لا تحتمل مزيدًا من الزيت.