--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يتحول الانتماء إلى سؤال: في معنى أن نقول "كرهتُ بلدي"

Salah Kirata • ٢٢‏/٣‏/٢٠٢٦

14816.jpg

حين يتحول الانتماء إلى سؤال: في معنى أن نقول “كرهتُ بلدي”.

يبدو، للوهلة الأولى، أن كراهية الوطن أمرٌ مستحيل، بل ومنافٍ للطبيعة الإنسانية ذاتها. فالبلد، في جوهره الجغرافي والتاريخي، كيانٌ صامت لا يحمل في ذاته خيرًا ولا شرًا، ولا ينهض ولا يسقط بإرادته. إنه الحيز الذي يحتضن البشر، الإطار الذي تتحرك داخله الجماعات، والوعاء الذي تتشكل فيه التجارب وتتناسل فيه الحكايات. غير أن ما يمنح هذا الوعاء مضمونه الحقيقي ليس ترابه ولا تضاريسه، بل سلوك أهله، بما اكتسبوه وما ورثوه، وبما فرضته عليهم قوى الأمر الواقع أو ما تكرّس فيهم من ثقافة الخضوع أو التمرد.

من هنا، لا يعود القول إن “كرهتُ بلدي” تناقضًا أو خروجًا على الفطرة، بل يصبح تعبيرًا عن حالة معقدة من الوعي، أو بالأحرى من الاحتجاج. لقد سبق أن عبّر الراحل محمد الماغوط عن هذا المعنى بطريقته حين قال إنه “سيخون وطنه”، مقدّمًا قراءة وجودية عميقة، لا تستهدف الأرض، بل تستفز المنظومة التي جعلت من الوطن عبئًا أو قيدًا على أبنائه.

أما أنا، فلن أسير على ذات الخط، لا رفضًا له ولا تقليلًا من عمق تجربته، بل انطلاقًا من رؤيتي الخاصة لما أراه وما أؤمن به. سأختار عبارة “كرهتُ بلدي”، لا لأنني أكره جغرافيته أو تاريخه أو طبيعته، ولا لأنني أرفض مكوناته البشرية أو تنوعه الديموغرافي، ولا لأي سبب يمكن أن تفسره العلوم التي ترصد علاقة الإنسان بأرضه. إن هذا الكره، في حقيقته، ليس كراهية للوطن، بل رفضٌ لطريقة تَشكُّل الإنسان داخله.

أكره بلدي حين أراه قد انزلق إلى منطق خطير، حيث تُقدَّم قاعدة “الناس على دين ملوكهم” على حساب القاعدة الأجدر “كما تكونوا يُولَّى عليكم”. تلك ليست مجرد حكمة، بل هي معادلة وجودية تحدد مصير الأمم. ففي الأولى، يتحول الشعب إلى انعكاسٍ لسلطةٍ تفرض نمطها، وفي الثانية، يكون الشعب شريكًا فاعلًا في صناعة سلطته ومصيره.

إن الخطورة هنا ليست نظرية، بل عملية. فقد قامت تجارب سياسية كاملة على ترسيخ فكرة أن الحاكم لا يُسائل، بل يُطاع، وأن المجتمع يجب أن يُشكَّل وفق إرادة السلطة لا العكس. وقد تجلّى ذلك في حقب متعددة، كان أبرزها ما ارتبط بنظام حافظ الأسد، حيث أُعيد تشكيل المجتمع بما يخدم بقاء السلطة واستمرارها، عبر منظومة من الخوف، والولاء، وإعادة إنتاج القيم.

ثم جاءت التحولات اللاحقة، لتبدو وكأنها استمرارٌ لذلك المسار، لكن بأدوات جديدة وشعارات مختلفة، حتى وصلنا إلى ما يمكن وصفه — بلغةٍ شعبية — بـ”اكتمال النقل بالزعرور”، حيث تفشل كل المحاولات في إنتاج واقع أكثر عدلًا ونقاءً وكرامة، لتصبح النتائج نسخةً مشوهةً من الوعود، لا تختلف كثيرًا عن سابقاتها إلا في الشكل.

وهنا تتجلى مأساة البلد: ليس في أنظمتها فقط، بل في قدرتها المستمرة على إعادة تشكيل أبناءها وفق نموذج السلطة، أيًّا كانت هذه السلطة. فذات الأرض التي كانت، على الأقل نظريًا، تتأرجح بين نزعات مدنية وعلمانية، تجد نفسها اليوم تدفع أبناءها — في مشهدٍ يكاد يكون رمزيًا — إلى السير خلف أنماط من القيادة القسرية، حيث يمضي الجمع كما تمضي القطيع خلف من لا يقودهم بقدر ما يسوقهم.

إن كراهية كهذه، إن جاز التعبير، ليست رفضًا للوطن، بل محاولة لاستعادته. هي صرخة في وجه واقعٍ يُعاد إنتاجه باستمرار، ورفضٌ لأن يكون الإنسان مجرد كائنٍ يُشكَّل من الخارج دون أن يمتلك حق تشكيل ذاته. إنها دعوة ضمنية للعودة إلى المعنى الحقيقي للوطن: أن يكون مساحة للحرية، لا ساحةً للخضوع؛ وأن يكون مجالًا لصناعة الإنسان، لا مصنعًا لإعادة إنتاج التبعية.

وفي النهاية، قد يبدو القول “كرهتُ بلدي” قاسيًا، لكنه في جوهره ليس إلا حبًا مشروطًا بالحقيقة. حبٌّ يرفض الزيف، ويقاوم الاستسلام، ويؤمن أن الوطن لا يُحب لأنّه موجود، بل لأنه يستحق أن يُحب.